محاضرة بعنوان الغلو

 

محاضرة للخطيب الحسيني خادم أهل البيت عليهم السلام الشيخ عبد الرسول البصاره رحمه الله في 5 محرم 1425 في حسينية السنان بالقطيف بعنوان الغلو

للاستماع للمحاضرة اضغط هنا

 

ورد عن أميرنا ومقتدانا وسيدنا أمير المؤمنين أبي الحسن علي ابن أبي طالب عليه الآف التحية والسلام أنه قال :« يهلك في اثنان ولا ذنب لي محب غال ومبغض قال »

وقال الشاعر: يصف النوعين اللذين عنتهما الكلمات المروية عن الإمام علي عليه السلام

      كلا الطرفين عدو له                وشيعته النمط الاوسط

مقصده ان كلا الطرفين ،المحب الغال والعدو القال، لا يعتبران من شيعته ولكن شيعته هم النمط الاوسط

الغلو أو المغالاة ... ماذا تعني هذه المفردة لغة و اصطلاحا ؟ الظاهر أن معناها في اللغة هو معناها في الاصطلاح، حيث أن المراد من كلمة غلا يغلو لغة هو التجاوز كما يمثل علماء اللغة عن الماء إذا تجاوز درجة حرارة معينة يصل الى حد الغليان قال تعالى ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ *كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ *كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ﴾ سورة الدخان 43-46، وبالمناسبة فإن هذه الظاهره الطبيعية تعد من الظواهر التي استخدمها القرآن للتذكير بالآخرة والنار وما يجري فيها من عقاب (كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ﴾ يعني مثل الماء حينما يبلغ الغليان وقال الله العظيم في كتابه أيضا يصف حالة أهل النار ﴿  فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ﴾ سورة الواقعة 42-44، وما أكثر الشواهد الواردة في هذا المعنى سواء القرآنية منها أو التي وردت في الروايات الشريفة.

ولو رجعنا إلى المعنى في الاصطلاح فإننا سوف نجده لا يختلف المعنى اللغوي، فالمعنى هو تجاوز الحد في أفراد معينين سواء كانوا بمستوى النبوة أو بمستوى الإمامة او غيرهم.

المغالاة في الأفراد لم توقفت عند الإدعاء بحق بعض الأنبياء أو بحق بعض الحجج عليهم السلام بل شمل أكثر من هذا فإن من طوائف الغلاة ما تسمى العباسية وهؤلاء غلو في المنصور و اليزيدية أيضا وهؤلاء غلو في يزيد بن معاوية.

المهم في الأمر والذي سوف نقف عنده هو ما يُنسب إلى الشيعة الإمامية من الغلو، فهل الشيعة غلاة كما يدعي البعض؟ أم أنهم ليسوا كذلك؟

الواقع أن الشيعة الامامية الإثني عشرية ،الذين اعتقدوا بإمامة علي وخلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ومن بعده الأئمة الهاديين المهديين حتى الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه، ليسوا غلاة. نعم هناك من الطوائف المنسوبين للشيعة من هم غلاة. فهناك طوائف اتهمت بالغلو وهو أمر ثابت عليها وطوائف أخرى اتهمت زورا ولم يثبت عليه الغلو. فنلاحظ أن الاتهام بالغلو ،للأسف، اتهام بلا ضابط معين له إذ أن المتهِم لم يتوقف عند ضابط معين في اتهامه فلذلك نجد في الكتب فرقا متعددة مثلا شيطانية وهشامية وزرارية وغيرها. وهذه لا معنى لها إلا الشخص الذي يُتحامل عليه ويتهم بالغلو، فمحمد بن النعمان ليس مغاليا وهشام بن الحكم ليس مغاليا وزرارة ابن اعين ليس مغاليا وإنما هذه ادعاءات باطلة، لأن تجاوز الحد يعني أن يُنسب إلى شخص ما ،ما ليس له سواء يُدعى له أنه الله أو يُدعى له صفات هي في الواقع صفات الله عز وجل.

وبالمقابل هناك فئة من الشيعة ألهو الإمام علي عليه السلام، لكن ليس كل ما يُدعى صحيح ،فمثلا نجد في التاريخ من يقول أن أتباع هذا الفكر هم السبأية اتباع عبد الله بن سبأ والثابت عندنا أنه شخصية وهمية لا حقيقة لها.

وقد بحث الأمر العلامة السيد مرتضى العسكري رحمه الله وجزاه خير الجزاء ،ووافانا بدراسة شاملة تتكون من حلقتين عظيمتين أحاط بالفكرة من مختلف أبعادها وأثبت أن الشخصية المدعاة شخصية وهمية لا حقيقة لها، وقد أشاد بهذه الدراسة القيمة سماحة المرجع الكبير الراحل السيد أبو القاسم الخوئي طيب الله ثراه في موسوعته الرجالية معجم رجال الحديث واعتمد عليها عندما تحدث عن ابن سبأ . وكان الدكتور طه حسين  قد سبق إلى هذا البحث أيضا.

المهم أن الذين ألهو الإمام علي عليه السلام يطلق عليهم العليائية أو شبه ذلك وقسم آخر ألهو الإمام الصادق جعفر بن محمد سلام الله عليه ويرأس هذه الفئة محمد بن أبي زينب الأسدي أبو الخطاب وإليه تُنْسَب الخَطابية وهؤلاء يؤلهون الامام الصادق عليه السلام.

قال الشهرستاني في الملل والنحل وهذا الكتاب من الدراسات التي كتبت في معرفة الفرق : لقد بالغ جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في لعن أبي الخطاب والبراءة منه.

وقسمٌ من الغلاة ألهو آخرين واعتبروهم آلهة أو شبه آلهة أو نصف آلهة ، وقسم آخر حاولوا أن ينسبوا بعض صفات الله سبحانه والتي هي بعض صفات فعله إلى الأئمة الهداة وهؤلاء يطلق عليهم المفوضة الذين نسبوا أفعال الله للأئمة كالخالقية والرازقية وغير ذلك وقالوا بأن الله خلق الأئمة عليهم السلام و أحال عليهم كل شيء

قال الإمام الصادق رئيس المذهب جعفر بن محمد سلام الله عليه " نحن عبيد لمن خلقنا واصطفانا والله ما لنا عليه من حجة وإنا لمخلوقون وميتون ومبعوثون ومحاسبون لعن الله الغلاة لما لم يكونوا قدرية لما لم يكونوا مرجئة لما لم يكونوا خوارج الغلاة كفرة والمفوضة مشركون "

هذا أحد النصوص التي وردت عن الإمام الصادق عليه السلام في لعن الغلاة والتبري منهم ، ومثله نصوص كثيرة واردة عن الإمام الرضا عليه السلام وعن الإمام الهادي عليه السلام وعن المنتظر عجل الله فرجه ،تُظهر الإنكار على الغلاة بكل أصنافهم سواء منهم من عرفوا في النصوص بالكفرة أو الناس الذين عرفوا بالمفوضة.

إذا، الغلاة وبكل أصنافهم وفئاتهم سواء منهم من ارتأى تأليه علي عليه السلام أو تأليه جعفر بن محمد عليه السلام أو من قال بالتثليث أو من قال بالحلول والتناسخ ،أي الذين ارتأوا أن الله قد حل في شخص معين كعلي بن أبي طالب عليه السلام وهكذا يتم التناسخ من واحد إلى اخر، كل هذه الفرق لعنهم الائمة وبينوا موقفهم صلوات الله عليهم منهم

وأما موقف الفقه في الإسلام الشيعي وكيف تعامل مع الغلاة؟

اولا : نجاسة الغلاة: قال السيد اليزدي أعلى الله مقامه في رسالته القيمة العروة الوثقى لا اشكال في نجاسة الغلاة أي أن المسألة ليست خلافية بين الفقهاء فلا اشكال في نجاسة الغلاة و النواصب والخوارج ومعروف أن الخوارج هم من خرجوا على الامام علي عليه السلام والنواصب من ينصب العداوة والكفر لعلي أو أي إمام من أئمة الهدى عليم السلام

بالمناسبة العروة الوثقى تناولها الكثير الكثير من العلماء بالتعليق ،ولذلك بعض نسخ العروة وبعض طبعاتها تحوي عشرة تعاليق لكبار المراجع كالسيد الحكيم والسيد الخوئي والإمام الخميني والسيد الكلبيكاني والشيخ الأراكي والسيد المرعشي النجفي والسيد عبد الله الشيرازي والسيد عبد الهادي الشيرازي والسيد محمد مهدي الشيرازي الذين رحلوا الى رحمة الله وتوجد تعاليق لبعض مراجعنا العظام الموجودين ومنهم السيد السيستاني مد الله في عمره الشريف وكفاه شر الحاقدين.

ثانيا : لا تغسلوا موتاهم

فالفقه الإمامي يمنع من تغسيل الغلاة، قال السيد اليزدي في رسالته القيمة بتعليق من السيد السيستاني حفظه الله يجب تغسيل المسلم وتكفينه إذا مات بلا فرق أن يكون اثنا عشريا أو غير ذلك، التفت إلى العبارة إذا مات المسلم يجب تغسيله وتكفينه سواء كان اثنا عشريا شيعي إمامي أو كان معتزلي أو زيدي أو حنفي أو شافعي أو مالكي أو حنبلي بلا فرق. ولا يجوز تغسيل الغلاة والخوارج والنواصب والمرتد بلا فرق بين أن يكون مرتدا مليا أو فطريا إذا لم تصل منه توبة

هذه عبارة السيد اليزدي رحمه الله في العروة وهذه في الرسالة التي عليها تعليق للسيد السيستاني

ثالثا : تجب الصلاة على المسلم إذا مات ولا تجوز على الكافر في كل حالاته بما فيهم الغلاة والنواصب والخوارج

يعني عندما نأتي إلى الفقه فان الشيعة لا تجيز الصلاة على الغلاة وتحكم بنجاستهم ولا تجيز تغسيلهم

رابعا : الشيعة لا تورث الغلاة: حيث يحكم الفقه الشيعي بصحة توريث المسلم من المسلم بلا فرق في الإتجاه يعني كيفما كان اتجاهه أو انتماءه المذهبي ولكن لا يجوز أن يرث الغالي من المسلم

خامسا : تحرم الشيعة الزواج من المغالي يعني لا تزوجه ولا تتزوج منه  ولا يصح عندهم تزويجه ، هذا معروف في الفقه الإسلامي وهذا تعامل الشيعة الصريح مع الغلاة.

الإنسان في إسلامه وعبادته لله موضع امتحان واختبار والشرك تحاربه دعوة الأنبياء، الإشكال هو هل أن كل عمل يصدر من العبد يطلق عليه شرك ؟ الجواب لا. كذلك الأمر بالنسبة للغلو فليس كل اعتقاد يعتقد به العبد هو غلو، فبعض ما ننسبه ونثبته لأئمتنا عليهم السلام لا يوافقنا الغير على ظهوره لكنه لا يعد غلو. صحيح أن التفويض شرك والقائلين بالتفويض مشركون وسيما إذا قالوا ما يفعله فلان باستقلاله فهذا عطل قدرة الله وأعطى قدرة الخالق للمخلوق فهؤلاء مشركون ، لكن هل ينتهي هذا إلى أن كل عمل في الكون يصدر عن النبي صل الله عليه واله أو يصدر عن إمام من الأئمة عليهم السلام يكون شرك ؟ مما لا شك فيه أن الله سبحانه فوض إلى بعض أحبائه بعض التصرفات الكونية لا على نحو الاستقلال وإنما بالله يتصرف

فنحن عندما نقوم للصلاة بعد جلسة الاستراحة ما بين الركعة الاولى والثانية بعد السجود وكذلك جلسة الاستراحة بين الثالثة والرابعة ماذا نقول ونحن في الحركة بالقيام بحول الله وقوته أقوم وأقعد وأركع وأسجد أي أنا أركع وأسجد وأقوم وأقعد لا بحولي وقوتي بل كل تصرفاتي بحول الله وقوته ، ونقول دائما في مختلف الاحوال وفي مختلف المناسبات لا حول ولا قوة  إلا بالله العلي العظيم.

دخل أحدهم على الامام علي عليه السلام يقول له أنا جئتك بإرادتي قال له من أين ملكت هذه  الإرادة إن قلت ملكتها مع الله وإن قلت ملكتها بدون الله قتلتك ، لكن هذه المشيئة والإرادة حصلت عليها بالله.

القران صريح بهذا ، قال تعالى ﴿  وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي ﴾ المائدة 110

والخطاب موجه للسيد المسيح عليه وعلى نبينا افضل الصلاة والسلام ،فالمسيح أخبر بأنه أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى  وأنه يأخذ من الطين ويشكلها طائر وينفخ فيها فتطير

والقران اثبت لإبراهيم الخليل عليه السلام انه قال ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ﴾ البقرة260

فهذه اية في الكون حصلت على يد الخليل ولكن بيد الله لا على نحو الاستقلال ، وما نقوله عن النبي والأحداث التي حصلت منه في الكون يعني المعجزات وايضا ما يصدر عن الائمة الهداة صلوات الله عليهم فالروايات التي عندنا بل حتى عند اخواننا والموجودة في مصادرهم كثيرة جدا حتى ان كتب الفت في ذلك ،وهذه الحالات الغريبة من الامور الثابتة التي حصلت لاعلى نحو الاستقلال ولكن كما نقول لا حول ولا قوة الا بالله  العلي العظيم.

وهكذا ما يروى للإمام الحسين عليه السلام بهذه المناسبة  والحديث عن الحسين عليه السلام في السير من مكة الى كربلاء  وما حصل عندما مر الإمام الحسين عليه السلام بمضرب وهب ، هناك في خباءه أهله وأمه عجوز مكفوفة البصر

وقف الإمام الحسين عليه السلام عند خيام وهب ونادى بالمرأة فأجابته ،سألها عن وهب فأخبرته أنه خرج للبحث عن المرعى فسألها عن الماء قالت لا يوجد ماء عندنا ، فوكز الإمام الارض برجله فنبع الماء  وظهرت اثار مهمة في الوادي

المهم بعد أن تم للحسين عليه السلام مراده وغايته من تذكير وهب برؤية راءاها وان هذا ما تعنيه تلك الرؤية والمطلوب أن يلتحق به  ويبذل في سبيله .

أراد الحسين أن تتضح الحقيقة لوهب من أجل أن يؤمن ، لما غادر الحسين قال لها الطلب الذي تطلبه هو أمامك يؤم الضعينة قاصد كربلاء.

الأم وكانت عجوز شمت روائح وأحست بأن شخصا كريم مر بالوادي ، قالت بنيتي ما الحاصل ؟ ، قالت يا أم رجل كريم مر بنا ،وأخبرتها بالذي حصل قالت أجلسيني في المكان الذي جلس فيه فأخذت قبضة من التراب الذي وطأه الحسين عليه السلام ووضعته على عينيها وأقسمت على الله بمن وطأ التراب بصاحب هذا التراب أن يعيد عليها بصرها ،وفعلا ذهبت علة عينيها وعادت عينها صحيحة ببركة الإمام الحسين عليه السلام ،ببركة الشهيد ، لما عاد وهب ورأى تلك الاثار قال ما الحاصل المسيح مر بنا  قالت شخص كريم على الله ويقول لك أن الذي تطلبه هو أمامك.

 

يا الله بحق الحسين عليه السلام من علينا بسعادة الدنيا والآخرة

يا الله بحق الحسين عليه السلام فرج عنا يا الله ، نور قلوبنا يا الله بحق الحسين عليه السلام

 

اضف هذا الموضوع الى: