محاضرة للخطيب الحسيني خادم أهل البيت عليهم السلام في 9 / محرم /1433 هـ
بعنوان الحُسن وأنواعه
لــم تــر عـيـــن نـظـــرت مثله من محتف يمشي ولا ناعل
اعني ابن ليلى ذا السدّى والندى اعنـي ابن بنت الحسـب الفاضل
لم تر عين نظرت مثله يريد محاسن علي الأكبر يريد أنه بلغ من المحاسن القمة.. الحُسن ؟ ما هو الحُسن ؟
أنواع الحُسن
هذه كلمة تُطلق و يُراد منها أكثر من معنى ، قسم منها الحُسن الحسِي أو المادي يعني المدروك بالحواس الذي يتمثل في استواء الأعضاء و تناسقها وتناسبها ، و القرآن الكريم يذكر ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) يعني أنه ليس فقط خلقَ و أوجد (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) ، الخلق نعمة و التسوية نعمة أخرى، يقال أن الإمام زين العابدين عليه السلام إذا بُشِّر بإحدى نساءِه أو نساء أولاده قبل أن يسأل أهو ذكر أم أنثى يسأل أهوَ سويٌّ ؟ فإذا أخبر بهذا سجد شكراً لله , القران الكريم في سورة الانفطار (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيْم، الَّذِي خَلَقَك فَسَوَّاك فَعَدَلَك، فِي أَي صُوْرَة مَا شَاء رَكَّبَك) المُهم (خَلَقَك فَسَوَّاك) يعني جعلك سويّاً جعلكَ مستوي الأعضاء و الأجزاء، وجهه و يداه ورجليه وقامته وغير ذلك.
هناك قسم ثاني من أنواع الحُسن وهو الحُسن العقلي الذي وسيلة ادراكه وتمييزه العقل .. العلماء عندما يبحثون يقولون أن هناك مستقلات عقلية ينفرد العقل بإدراكها وتمييزها كحُسن العدل مثلاً وحُسن الصدق و الأمانة و الكرم.
هناك قسم ثالث وهو ما يرتبط بالروح أو ما يرتبط بالنفس ، النفس لها قوة و قابليات مختلفة مثل القوة الشهوية, القوة الغضبية و إلى غير ذلك. الحُسن يتمثل باستواء هذه القوى التي تكون للإنسان إمكانية في السيطرة عليها بحيث أن تُمارس كل منها في محلها ، ليس بمعنى أن لا يغضب و أن لا يرضى ! بل يعني أن يغضب و يرضى في محله ، لذلك يقولون «من أغضب ولم يغضب فهو حمار» ولكن من أُرضي ولم يسترضى فهو جبار ! .. شخص يتعرض لعوامل النرفزة وعوامل الإنفعال و الغضب ولا يغضب فكيف ذلك!
أفاقد للإحساس؟
أفاقد للشعور ؟
لا بل ترى ذلك الانسان السوي يمارس القوى و القابليات ممارسة صحيحة ولذلك تأتي الإشادة (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين) ليس بمعنى أنه لا يتعرض لما يغيظه بل لديه سيطرة و كظم للغيظ و هذا هو "الحُلم" ، وعندهُ قابلية إلى إسقاط الحق وهذا هو "العفو" ، فهو ليس لديه فقط حلم بكظم الغيظ بل لديه استعداد لأن يسقط حقه أحياناً وقد امتدح الله أولائك بالعفو وخاطب نبيه وقال (خُذِ الْعَفْوَ ) ,(وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ).
بهذا يمر عليك أن الإمام زين العابدين سلام الله عليه جرى معه كلام مع أقاربه و جعله يتكلم براحته فبعد أن مشى قال لأصحابه سمعتم كلامه؟ فهل تريدون أن تسمعوا ردي عليه ؟ قالوا بلى، فمشى الإمام وهو يتلو (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين ) فعرف الناس بأنه لن يفعل شيئاً وفعلاً عندما وصل تقدم بنفسه وحرّكَ حلقة الباب فخرج الرجل ومازال متأثراً وقال له الإمام: يا ابن العم أنت قلت ما قلت ونسبت ما نسبت وذكرت أموراً الله اعلم بها منك ، لكن إن كان ما قلته فيَّ حقاً أسأل الله أن يغفر لي و إن كان ما قلته فيّ كذباً أسأل الله أن يغفر لك ، فأسر ذلك الإنسان وسيطر عليه و حوّله لشكل آخر بحيث انحنى على الإمام يقبله ويعتذر إليه.
وهذا ما يجذبنا له القران ، حيث يقول (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) بمعنى أدفع السيئة بالتي هي أحسن منها و الأحسن من مقابلة السيئة بالسيئة هو مقابلة السيئة بالحسنة (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) هذه الآية تقرأها في سورة حم السجدة وتقرأ في سورة الرعد آية أخرى توافينا بنفس المعنى إلا أن هنا جملة إنشائية وهناك جملة إخبارية ، (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) يعني أدفع السيئة بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة ، أما في سورة الرعد جملة إخبارية (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) يدرأ بمعنى يدفع السيئة بالحسنة .هذا هو القسم الثالث من أنواع الحُسن .
هناك قسم رابع وهو الحُسن الذي يدرك بالشرع ، ما يرشدنا إليه الشرع و ترشدنا إليه تعاليم الشرع الشريفة ، من تلك الأوامر التي ترقى إلى مستوى الوجوب أو الأخرى التي هي بمستوى المستحبات، ما ندبنا اليه وهو حَسَنٌ قطعاً و لكن ليس كل ما ندبنا إليه الشرع الشريف ندركه بعقولنا ، بل هناك قسم من تلك الأوامر لا نعرفها إلا بتعاليم الشرع ، لاحظ مثلاً الإنسان لديه تعطش للعبادة ولا يشبع ، و العبادة يفترض أنها وسيلة من وسائل كماله ولذلك القرآن يقول : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا ليعبدون , مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ , إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) لا إشكال أن الإنسان السوي لديه تعطش ونهم للعبادة و كأنما هو بدون العبادة يشعر بفراغ أو يشعر بنقصان ولكن ليس كل نظام العبادة يستطيع الانسان أن يتحكم فيه أو أن يشرعه ، نظام العبادة يأتينا من قِبل الله سبحانه وتعالى ، فالصلاة مثلاً تأتينا بكيفية معينة من ألفاظ وحركات التي يجب أن يكون لها آداب و احترام وواجبات و منافيات كالقراءة يجب أن تقرأ في وقت معين إخفاتاً و في وقت معين جهراً وغير ذلك ، إذاً هذه الأنظمة لابد من الشرع أن يوافينا بها .
عكس هذه المحاسن المذكورة ، مساوئ أو قبائح، ما يمكن للعقل إدراك حسنه كحسن العدل و حسن الصدق وحسن الأمانة .. عكس العدل الظلم، كما أن العدل حسن فالظلم قبيح وهذا مما يدركه العقل أيضاً كما أن الأمانة حسنة فالخيانة قبيحة ، وكما أن الصدق حسن فالكذب قبيح وهكذا فإن كل قسم من الأقسام المذكورة للحُسن عكسها هو القُبح.
نأتي الآن إلى الشهيد "علي بن الحسين الأكبر" سلام الله عليه و هو أول قتيل من أهل بيت الحسين ، أول التضحيات التي قدمها الإمام الحسين هو علي الأكبر هو أول تضحياته من البيت الهاشمي ، وحدثتك الليلة الماضية أن أنصار الحسين الذين استشهدوا في المعركة ، قسم منهم قيسيين عبديين و قسم منهم همدانيين ، و قسم منهم كنديين ، و قسم منهم خزاعيين ، و قسم منهم اسديين ، فهم جميعاً عرب من مختلف القبائل العربية العريقة، قسم منهم موالي مثل جون مولى أبي ذر استشهدوا مع الحسين إخلاصا منهم له عليه السلام ، إخلاصا منهم للعقيدة و الدين ، هذا بالنسبة للأنصار وهم مجموعة من مختلف القبائل كما ذكرتها وكذلك الموالي ، أما الهاشميين وهم أهل بيت الحسين عليه السلام، أولاد أبي طالب فقط حيث لم يحضر من بني هاشم إلا أولاد وأحفاد أبي طالب فقط. وأولاد أبي طالب أربعة فقط: طالب و جعفر و عقيل و الإمام علي عليه السلام أما عن طالب فهو قد ذهب وهو غير معروف العقب وكيف كانت نهايته -الله أعلم- ، بقي عقيل وجعفر و الإمام علي عليه السلام ، عقيل ذهب منه لكربلاء مجموعة كبيرة جداً لعلهم يزيدون عن العشرة ، أما جعفر شهيد مؤتة ذهب منه أحفاد ، وهم أولاد عبد الله أبن جعفر يقال أنهم أثنين عون و محمد أما عون فأمه زينب و محمد فأمه الخنصاء و يقال أن هناك ولد اسمه عبد الله أو عبيد الله كذلك أمه الخمصاء ، كذلك محمد ابن عبد الله اشتهد له ولد أيضاً كان مع الحسين اسمه القاسم بن محمد بن جعفر الطيار ، عبد الله بن جعفر لم يحضر كربلاء ويُعتذر إليه بأنه رجل مكفوف البصر فهو لم يحضر ليس لسوء ظن وليس لتقصير وإنما لعجز، كما هو المانع لحضور محمد بن الحنفية - محمد شخصية عملاقة وعلمية وهو أكبر من العباس ابن أمير المؤمنين - ولكن يُعتذر إليه بأن عنده عجز و مرض يمنعه من الحضور لكربلاء




