محاضرة بعنوان وراثة الأرض

محاضرة للخطيب الحسيني خادم أهل البيت عليهم السلام في 12 محرم 1424هـ

بعنوان وراثة الأرض

 

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ سورة القصص 5-6

الآيتان وهما من آيات سورة القصص، إذ تتحدث الاية الأولى وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ عن منةٍ من الله سبحانه، منةٍ ينالها المستضعفون، يمن الله بها عليهم في الارض .

بماذا يمن عليهم؟ يمن عليهم برفع الإستضعاف، بحيث يجعلهم الوارثين أي يرثون الأرض بعد أن كانوا مستضعفين فيها، كذلك تقول الآية الثانية وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أي أن الأمر الآخر الذي سيحصل لهم هو التمكين في الأرض، ويضاف إلى هذا يرى فرعون وهامان من أولئك ما كانوا يحذرون.

يتصور البعض وحسب ما يستفاد من السياق أن حديث الآيتين حول بني اسرائيل وما جرى عليهم من فرعون وهامان وذلك لأن حديث السورة يبدأ بقوله ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَالقصص 4 ، فهل تبقى لفرعون صولته؟ وهل تبقى لفرعون صفوته؟ وهل يدوم لفرعون طغيانه بحيث يظل يستضعف أهلها يفرق كلمتهم ويجعلهم أشياعاً يذبح الأبناء ويستحيي النساء؟، تأتينا الآية لتقول وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ إلى آخر الآيتين الكريمتين.

وهنا نسأل هل هذا البيان الذي توافينا به الآيتان خاص بأولئك؟.

أولاً: إن مسألة الفرعنة والنمردة والطغيان هذه ما كانت في عهد دون آخر، فليس نمرود هو وحده الذي كان في عهد الخليل عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام، وليس فرعون وهو الذي كان يسود مصر أيام السيد الكليم عليه السلام وهو الذي قام بتجزئة مصر وجعلها إلى فريقين القبط وبني اسرائيل والقبط هم حاشيته وخاصته أما بنو اسرائيل استضعفوا واضطهدوا وبلغ به الاستضعاف إلى أنه يقتل الأبناء كما يتحدث القران يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وإنما صفح عن نساءهم وتركهم ليبقين خدما للأقباط.

فهل الفرعنة خاصة بهذا ومنحصرة فيه؟ وأغرق الله فرعون وجنوده ومراكبه في اليم وزالت الفرعنة من الأرض وفقط؟ هل انتهى فرعون وانتهت الفرعنة من الأرض وساد الأرض العدل و الحق والصلاح؟ نقول لا.......راح فرعون وجاء آخر وما أكثر الفراعنة في الأرض..... ففرعون وهامان ما كانا فقط في عهد ما قبل الميلاد بحوالي 1500 عاماً أو تزيد قليلاً، بل هم باقون ولا يزالون.

لاحظ حديث الآية مع أنها جاءت في ضمن سياق الحديث عن فرعون وعن حياة السيد الكليم عليه السلام ونشأته وتربيته وما حصل له أخيراً بعد رحلته  ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَالقصص 7، إلا أن حديث الآيتين لا يخص ذلك الزمان وتلك الفترة فمن ناحية أن الفرعنة ما كانت منحصرة بذلك الزمن، وإذا الفرعنة ما كانت منحصرة بذلك الزمن فالمن الإلهي لم يتوقف أيضاً، فليس أولئك فقط محتاجين إلى عناية الله يمدهم بالعون ويخلصهم من عدوهم ويقهر عدوهم ويغرقه ومراكبه في اليم ومن يأتي بعدهم فليعانوا الاستضعاف إلى النهاية، أي أن العناية ما تدخلت إلا لتغرق أولئك وتخلصهم من عدوهم وأورثتهم الأرض ومن أتى بعدهم توقف عنه المدد وتوقفت عنهم العناية، نقول كما أن الظلم والفرعنة موجودان ومستمران، العطاء والمدد الإلهي أيضا موجود وهذه ليست فرضية هذا ما يحكيه القرآن الكريم وتتحدث عنه السنة المقدسة.

أما الذي يحكيه القرآن فلاحظ الآيتان الكريمتان ما تحدثتا بلغة الماضي وإنما معظم الأفعال التي جاء ذكرها في الآيتين جاءت بصيغة المضارع، فمثلا يقول وَنُرِيدُ وما قال أردنا ،ويقول أَن نَّمُنَّ وما قال منَّنَّا ،وكذا الفعل الثالث وَنَجْعَلَهُمُ ما قال جعلناهم وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ،وأيضا لما ذكر التمكين جاء به بصيغة المضارع وليس بصيغة الماضي وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ،وعندما ذكر مصير الطغاة ما قال وأرينا قال وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ

فما الفرق بين أن تأتي الأفعال بصيغة الماضي أو بصيغة المضارع؟؟ النحاة يفرقون بين صيغة الماضي والمضارع، فالماضي يدل على أمر صار في ماضي الزمن وانتهى ،لكن قد يأتي الحديث بصيغة الماضي لأمرٍ سيتحقق في المستقبل وذلك لحتمية وقوعه.

فعندما يتحدث القرآن عن القيامة وأحوال النار غالباً ما تكون الأحاديث بصيغة الماضي والحال أن هذه قضايا ستصير في المستقبل ، وهي وعد وحديث القرآن عنها بصيغة الماضي إخباراً عن حتمية تحققه.

مثلا حديث القرآن الموجه للرسول صلى الله عليه وآله ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا *﴾ الفتح1-3 ، لماذا قال إِنَّا فَتَحْنَا والحال أن الآية الكريمة نزلت عُقيب الحديبية وهي تتحدث عن فتح مكة، ومن الحديبية إلى فتح مكة حوالي سنتين، لكن حديث القرآن هنا بصيغة الماضي لماذا؟ دليل حتمية الحدث والوقوع.

أما هنا في هاتين الآيتين والقرآن يتحدث بصيغة المضارع ولم يتحدث بصيغة الماضي لأن المضارع يحتمل الحال والإستقبال فالذي يستفاد من حديث الآية استمرارية العطاء الإلهي وتحقق الوعد الإلهي للمؤمنين الذين استضعفوا، واستمرارية الانتقام من الظلمة.

مثلما أن الاستضعاف ليس في زمان معين وما انتهى بانتهاء فرعون وزمن بني اسرائيل, بل جاء من بعد فرعون من لعله أشد منه جرأة، وإن كان فرعون أبدى ما أخفاه غيره، فالشيء الذي أبداه فرعون كأنما في نفوس الكثير، فرعون قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ النازعات 24 ،قالها بلسان المقال وهؤلاء لم يقولوا بلسان المقال لكن الفعال تقول هكذا تصرفوا مع الناس أي تصرف؟ تصرف السيد المطاع المهيمن فهذا المسمى أبو طاهر القرمطي في يوم من الأيام يصعد على سطح الكعبة بعد ما عمل المذبحة في الحجيج وطرح الجثث والرؤوس بزمزم وقال أنا بالله و بالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا.1...ما هذه الفرعنة !!

الحجاج بن يوسف الثقفي مثلاً مر على سجنه بواسط بالعراق، وعندما عرف السجناء بمجيئه ضجوا، فربما يلين قلبه ويتعامل معهم برقة ولين، ولما ضجوا وكان عددهم ثمانين ألف أو مئة ألف إنسان ،وكما يقال أن سجن الحجاج هكذا يضم ثمانين ألف رجل وثلاثين ألف إمراة بواسط، وهؤلاء عندما ضجوا قامت الأرض ترجف فسأل ما الذي يحدث؟ فاخبروه انهم السجناء2، أشرف عليهم وقال ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ﴾ المؤمنون 108 ، و هذا الكلام لا يخص فقط الحجاج في القرن الثاني أو فرعون ما قبل الميلاد بعدة قرون وانتهى، فلا تزال مثل هذه الحكايات تتكرر -ومثل ما يقال التاريخ يعيد نفسه-.

فهل العطاء الإلهي يتوقف؟ والاستضعاف مستمر؟ والفرعنة والاضطهاد موجود على مر العصور ويتكرر؟ فهل كان العطاء الإلهي فقط لموسى ومن آمن به حيث نصرهم على عدوهم، وأغرق عدوهم في الماء وانتهى كل شيء؟.

فمثلما الظلم باقي والاستضعاف باقي، العطاء الإلهي أيضا باقي وحتى يأتي اليوم الذي تملأ فيه الأرض قسطاً وعدلاً كما امتلأت ظلماً وجوراً، نسأل الله أن يعجل لوليه الفرج.

ولذلك فالآيتان الكريمتان مما يستدل بهما على دولة الحق والصدق، دولة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف في آخر الزمان.

كلمات لأمير المؤمنين أبي الحسن بن أبي طالب عليه السلام تقول تلك الكلمات لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا  عَطْفَ الضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا.ثم قرأ : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾. 3

حديث الرسول صلى الله عليه وآله إن يكن هذا الأمر فينا فبشرنا وإن كانت الأخرى يعني إذا هو في غيرنا أوصي بنا، إلتفت صلى الله عليه وآله يقول لأهل بيته قائلاً أنتم المستضعفون بعدي4  

فهل يبقى هذا الاستضعاف وإلى الأبد من دون أن تتدخل عناية من الله عز وجل؟؟ نقول إن هذا غير ممكن فلا بد أن تتدخل العناية الإلهية و يندحي الظلم وينتهي الاستضعاف وتأتي دولة الحق والصدق دولة آل محمد عجل الله فرجهم.

الواقع أن الإمام المهدي أرواحنا لمقدمه الفداء أمل الجميع وليس أمل فئة أو طائفة أو أفراد، هذا أمل البشرية بغض النظر عن كونها الأمة الإسلامية فضلاً عن انحصارها في الطائفة الشيعية، نقول هذا أمل البشرية ككل على اختلاف أيديولوجياتها يعني كيف ما كانت معتقداتها وكيف ما كانت اتجاهاتها.

الإمام المهدي عجل الله فرجه أمل الأمة الإسلامية ككل إنما جهة الاختصاص عند الطائفة الشيعية بالفكرة، إن صح التعبير، إنما هو في الاعتقاد بأنه مولود موجود وأنه الإمام الثاني عشر، هذا جهة الإختصاص وإلا كما سنعرف حتى هنا لا يوجد اختصاص إنما المهدي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما امتلأت ظلماً وجورا وأنه من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا ما تقوله الأمة الإسلامية ككل، لا كما تسمعون هذه الأيام من مهازل، وهذا إنما هو تصديق ما قاله الرسول الكريم صلى الله عليه وآله " ستمتد الغيبة للخلف من ذريتي حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به "

فلو جئنا إلى أحاديث الإمام المهدي عليه السلام تبلغ تقريباً ستة آلاف رواية، فهل هذه الستة آلاف رواية  كلها لا أثر لها، أو كلها مردودة؟ وهل عندنا موضوع إسلامي أو أي شيء متعلق بالإسلام سواءً ما يرتبط بالمعتقد أو ما يرتبط بالعمل بلغ الاهتمام به وبلغ اشتهاره مثل هذه الشهرة، والذي ورد حوله من الأحاديث بهذه الكثرة!.

من الممكن القول أنما يتم نسبته إلى الشيعة أو اختصاصه بهم من كون الإمام الثاني عشر موجود لا تختص به الشيعة وإنما الصحيح أن الشيعة ترتب الأثر على هذه القيادة فالغير حتى لو نطق بهذه القيادة وسلَّم بها لكنه لا يوجد تطبيق إلى هذا الاقرار. مثلاً لو رجعنا للكتب التي أُلِفَت عند إخواننا في الأئمة (والذي آخرهم الإمام الثاني عشر عليهم السلام) فما شاء الله من الأعلام الذين كتبوا حول الفكرة وأثبتوها أكثر بكثير من خمسين مصدر، هؤلاء كلهم أرخوا للإمام المهدي عجل الله فرجه وقالوا عنه الإمام الثاني عشر ابن الحسن العسكري المولود في ليلة النصف من شعبان سنة خمسة وخمسين بعد المائتين، راجع مثلاً: كتاب نور الأبصار للشبلنجي وهذا أحد أعلام أهل السُّنَّة 5 ، إسعاف الراغبين للصبان 6،  ومثلاً ما كتبه الحافظ ابن نعيم في حلية الأولياء وغيره، الكنجي الشافعي، سبط ابن الجوزي، الشيخ سليمان القندوزي الحنفي، ابن الصباغ المالكي 7 والكثير الكثير من السنة الذين أرخوا لولادة الإمام المهدي عليه السلام وقالوا أنه الإمام الثاني عشر.

ولو نرجع إلى الأحاديث الشريفة التي ترتبط بالإمام المهدي عليه السلام سواءً عند السنة أو عند الشيعة، فطائفة من الأحاديث ضبطته أنه من فاطمة الزهراء عليها السلام وإذ يقال من بيت النبي صلى الله عليه وآله فهو من فاطمة سلام الله عليها فلا توجد صلة مولد لأحد لرسول الله صلى الله عليه وآله إلا من طريق الزهراء صلوات الله عليها فأبناءها هم أبناء الرسول صلى الله عليه وآله. صحيح وجود أبناء أعمام مثل العباسيين و العقيليين و الجعفريين وغيرهم، هذا الكلام موجود ولكن صلة بنوة بحيث يطلق عليهم السادة ويطلق عليهم الأشراف هم أبناء فاطمة عليها السلام ولا توجد صلة من غيرها.

وطائفة من الأحاديث تتحدث عن الإمام المهدي عليه السلام أنه من بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، وطائفة أخرى أنه من الحسين عليه السلام وعندنا طائفة من الأحاديث تقول أنه التاسع من ولد الحسين عليه السلام وعندنا جملة من الأحاديث تقول أنه الإمام الثاني عشر وجملة من الأحاديث أنه من ولد الإمام جعفر الصادق عليه السلام وجملة من الأحاديث أنه من عَقِب الإمام الكاظم عليه السلام وجملة من الأحاديث أنه من عَقِب الإمام الرضا عليه السلام، الرابع من ولد الرضا عليه السلام، هذا الكلام موجود، كذلك يوجد جملة من الأحاديث أيضا تحدده أنه ابن الحسن العسكري عليه السلام.

أما قضية روايات تاريخ مولد الإمام وأنه ولد ليلة كذا في شهر كذا وسنة كذا ما شاء الله سنة وشيعة كتبت الكثير من الكتب. يعني قضية الإمام المهدي عليه السلام ووجوده سيما بين طائفة الشيعة الإمامية من المسلمات، ومن ينكر وجود الإمام المهدي لا يعتبر شيعياً، سيما إذا كان مقرا ثم أنكر أما إذا كان الواحد من الأصل إسماعيلي أو زيدي و ليس شيعيا فذاك أمر آخر. لكن من يعتقد بوجود الإمام المهدي عجل الله فرجه فترة من الزمن ثم طرأ ما يخالف هذا المعتقد وطرأ الإنكار، فهذا الطارئ يعتبر ردة، وهذا التعامل لا يمكن أن يكون لغير الإمامي الإثنى عشري ومن كان سنيا أو شيعيا إسماعيليا أو زيديا لا نقدر أن نقول عنه أنه مرتد لأنه من الأصل ينكر وجود الإمام عليه السلام. لكن من كان يعتقد لفترة من الزمن بالإمام المهدي عجل الله فرجه ثم بعد ذلك يرفع عقيرته ويقول الإمام الاسطورة كالذي يُسمع هذه الأيام فهذه ردة، ونسأل الله حسن العاقبة.

وهذا لأن الإيمان قسمان مستقر ومستودع، قسمٌ من الناس الإيمان عندهم ثابت كما ورد عن الإمام علي عليه السلام " إن لنا شيعة لو قطعوا فينا إربا إربا ما ازدادوا إلا حبا وأن لنا أعداءا لو أطعموا العسل المصفى ما ازدادوا إلا بغضا  "

الإيمان قد يكون مستقراٌ وقد يكون مستودعاٌ ، الإيمان المستودع كأنما يبقى لفترة ويطرأ الطارئ وتنتهي العلاقة بالدين وأهله، أما الإيمان الثابت المستقر ذاك كما يقال تزول الجبال ولا يزول، وإن شاء الله إيماننا ثابت و مستقر ونحن على اطمئنان ويقين.

هذه الحكايات ما هو منشأها؟ و أيا كانت دوافعها و أغراضها؟... دعها ومن يقولها ،أما نحن فمثل ما يقول سماحة الحجة الشيخ علي الجشي طيب الله ثراه - واستوت الغيبة والإشهاد -، الإمام عليه السلام عندنا غائب كما هو حاضر فغيبته وأهدافه وغاياته معلومة، ونحن عليها ثابتين ولا نفرق ما بين الإمام عليه السلام في غيابه والإمام عليه السلام في ظهوره إلا أننا في حاجة إلى ظهوره فقط، وإلا كما تحدث النبي صلى الله عليه وآله وقد سُئِل عن الإمام عليه السلام والاستفادة من غيبته، يفيد صلى الله عليه وآله أنه أشبه بالشمس يسترها السحاب8

فالشمس لو سترها السحاب هل يغير فيها؟ يبدل وضعها؟ هي الشمس وعطاءها للأرض لا يحوله السحاب ولا يمنعه مهما كان كثيرا، وتبقى الأرض والأحياء مستفيدون من عطاء الشمس وإن كان تواجد السحاب بشكل مكثف ولكن مع وجود السحاب والقتام كأنما الناس محرومين من لذة النظر إلى جمال الشمس والارتياح لذلك، وكذا بالنسبة للإمام عليه السلام، فالناس وإن يكونوا محجوبين وممنوعين من رؤية الإمام عليه السلام إلا أن عطاء الإمام المهدي عجل الله فرجه باقٍ سواءاً كان غائباً او ظاهراً.

 

 

 

 

 

ومن أفضل ما ندعو به في زمن الغيبة ما يعرف بدعاء الغريق ( يا الله  يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)[1] ومما علينا أن نتمسك به الإكثار من الدعاء للإمام المهدي عجل الله فرجه، وتوجيه التحية له، سيما الدعاء المعروف  اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا برحمتك يا أرحم الراحمين ....

نسأل الله أن يعجل له الفرج ويسهل له المخرج ونسأل الله أن لا يجعل إيماننا إيمانا مستودعا وأن يجعل إيماننا إيمانا مستقرا.

                                                                                                                                                                                    

 



1 ابو طاهر سلمان بن حسن القرمطي هاجم مكة سنة 317هـ وسرق الحجر الاسود بعد ان عمل المذبحة وبقي الحجر عند القرامطة 22 سنة انظر تاريخ الاسلام للذهبي،تاريخ مكة لاحمد السباعي ج7ص171،تاريخ الطبري وغيرها

 

2 قال العباس الأزرق، عن السري بن يحيى قال: مر الحجاج في يوم جمعة، فسمع استغاثة فقال: ما هذا؟ قيل: أهل السجون يقولون: قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم: " قال اخسئوا فيها ولا تكلمون " " المؤمنون: 108 " قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة. تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر ج 12 ص 192

3 نهج البلاغة ج 4 ص47  ، الشِماس ـ بالكسر ـ: امتناع ظهر الفرس من الركوب. الضَرُوس ـ بفتح فضم ـ: الناقة السيّئة الخلق تعض حالبها، أي إن الدنيا ستنقاد لنا بعد جُمُوحها وتلين بعد خشونتها، كما تنعطف الناقة على ولدها، وإن أَبتْ على الحالب.

4 كتاب معرفة الاسلام المجلد 13 لاية الله السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس سره

5 نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار للشيخ مؤمن بن حسن الشبلنجي من علماء القرن الثالث الهجري

6 اسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وفضائل أهل بيته الطاهرين لمحمد بن علي الصبان

7 أبو سعيد محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان  ،الحافظ سبط ابن الجوزي الحنفي في كتاب تذكرة خواص الأمة في معرفة الأئمة ، نور الدين علي بن محمد المعروف ابن الصباغ المالكي في كتاب الفصول المهمة في معرفة الأئمة

8 عن جابر الانصاري أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله هل ينتفع الشيعة بالقائم عليه السلام في غيبته ؟ فقال صلى الله عليه وآله: إي والذي بعثني بالنبوة إنهم لينتفعون به، ويستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن جللها السحاب.بحار الانوار العلامة المجلسي ج52

اضف هذا الموضوع الى: