محـاضرة بعنوان الشعائر الحسينية

محاضرة للخطيب الحسيني خادم أهل البيت عليهم السلام 1/ محرم / 1424هـ

بعنوان الشعائر الحسينية

قال تعالى ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) الحج 32

الآية المباركة الشريفة وهي من آيات سورة الحج تتحدث عن تعظيم شعائر الله ،وتناول الآية لتعظيم شعائر الله بالإخبار عن كون ذلك التعظيم من تقوى القلوب .

شعائر الله هي عبارة عن تلك الطاعات وتلك القربات التي تقربنا من الله ،وتوثق علاقتنا به ،كيف ما كانت ،الواجب منها والمستحب ،والتي يحثنا القران على الاستكثار والاستزادة منها

القرآن الكريم دائما يحثنا على طلب المزيد من الاقتراب من الله وتوثيق العلاقة به والارتباط به ،فهذه الشعائر من ذا يحددها ؟وعلى أي اساس يتم تحديد هذه القربات ؟ ومن أي جهة نتلقاها ؟ و كيف يصل بيانها إلى الناس وكيف نتعرف عليها ؟

أما تحديد القربات فهذا لله سبحانه ،الله وحده هو الذي يحدد الوسائل التي تقربنا منه ، و هو الذي شرع عبادة سماها صلاة لها كيفية خاصة وشرع عبادة سماها صيام لها كيفية خاصة وهكذا حج وغير ذلك ،وليس للناس حق في تحديد تلك القربات و الطاعات ،أما وصولها وتبليغها إلى الناس فبواسطة الدعاة إلى الله، الرسول الكريم صلى الله عليه وآله و الأئمة الهداة عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام ،هم الذين أوصلوا للناس هذه التعاليم وكشفوا عنها وبينوها بيانا كافيا

فهذه الأيام التي تمر بنا وهي أيام عاشوراء ... تمتاز بممارسات خاصة بها ،وهذه الممارسات الخاصة ،وهذه الأعمال التي نقوم بها في هذه الأيام والتي منها البكاء وإنشاد الشعر وعقد المآتم وزيارة الحسين عليه السلام وغير ذلك ، هي من تلك الشعائر، من شعائر الله  ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ) الذي تعظيمها يعرفه القرآن بأنه (مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) فكيف عرفنا هذه الشعائر؟ومن أين مصدرها ؟ ومن أي طريق وصلت إلينا حتى أمكننا أن نعتبرها من شعائر الله ؟ وعلى أي أساس تكون ممارستنا لها ؟ وكيف رؤيتنا لها ؟ وما هو الدافع الذي يدفعنا إليها؟

أما تلقي هذه الأعمال فهي من الوسائط التي منهم عرفنا كيفية الصلاة وكيفية الصيام أي أن المصادر التي تلقينا منها الممارسات التي نمارسها من صلاة وصيام وحج وغير ذلك باعتبارها عبادات هي نفسها المصادر التي أرشدتنا إلى البكاء والزيارة وإنشاد الشعر وغير ذلك وهؤلاء هم الدعاة الى الله

فعلينا أن لا نتأثر بهذه الدعايات التي نسمعها بأن هذه الأعمال نتاج تطورات تاريخية وأنها دخائل وأن دوافعها سياسية ،ومن ينسبها مثلا إلى الفاطميين أو ينسبها الى الحمدانيين أو ينسبها إلى ال بويه ،هذه قصص وهذا كلام ليس له حقيقة فقد كانت هناك نوع من الحرية في تلك العهود والتي حصلت الشيعة على شيء منها بحيث أمكن هؤلاء الناس أن يمارسوا تلك الأعمال وأن يقوموا بتلك الأدوار بشكل علني ظاهر ،وإلا فهذه الأعمال كانت تمارس من أيام الأئمة زين العابدين والباقر والصادق والكاظم والرضا صلوات الله عليهم أجمعين ،كانوا هم يمارسوها وليست المسألة أنهم دعوا إليها وأرشدوا لها فقط

فإرشادهم إليها ودعوتهم لها أمر واضح " أيما مؤمن ذكر مصابنا فاغتم بما جرى علينا كان في درجتنا " أو "من أنشد في جدي الحسين شعرا فبكى وأبكى وجبت له الجنة "من زار قبر الحسين فكأنما زار الله في عرشه" ،فمن قال هذا الكلام ومن عنده جرأة ليقول مثل هذا الكلام ؟غير أولئك الوسائط وغير أولئك الدعاة ،فعندما يأتينا حديث عن الإمام الصادق أو الإمام الباقر أو الإمام الرضا أو الإمام زين العابدين عليهم السلام فمن هؤلاء؟؟ هؤلاء هم عدل القرآن ، انظر للقرآن كيف ضخامته وكيف عظمته (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) الحجر 9 ،فهؤلاء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام بلا استثناء هم بحجم القرآن ، وإذا كان هؤلاء الناس الذين هم عدل القرآن وبحجم القرآن هم الذين بلَّغونا وعرَّفونا أن الانشاد والبكاء والزيارة وغيرها من الممارسات من شعائر الله وأنها مقربة الى الله سبحانه

هؤلاء هم الصادقون ،هؤلاء الذي يرشد إليهم القرآن والرسول الكريم صلى الله عليه وآله يُعَرِّفَهم " من أحب  أن يحيا حياتي ويموت ميتتي  ويسكن جنة عدن التي وعدنيها ربي أو التي خلقها ربي فليتول علي من بعدي وليتمسك بأهل بيته من بعده فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا فهمي وعلمي الويل للمكذبين بفضلهم من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي "

هؤلاء قولهم فصل وحق ،هؤلاء قولهم لا اعتراض عليه ،هؤلاء اللُّسن المبلغة عن الله ،هؤلاء الذين يوصلون إلى حكم الله ،فعندما يصح شيء عن الإمام الصادق عليه السلام أو عندما يأتي أحد للإمام الصادق عليه السلام ويبلغه شيء معين ،فهذا حكم الله ،فما يصدر عن الصادق عليه السلام أو ما يصدر عن الباقر عليه السلام هذا حكم الله وليس رأي اجتهادي

التفت نحن عندما نمارس هذه الأعمال الذي كشفها لنا وأخبر عنها أولئك الصادقون ،فهي أحكام صادرة عن الله وهم واسطة بين الله وخلقه فعندما يخبرنا أن البكاء على الحسين عبادة وزيارة الحسين عبادة والسجود على التربة عبادة إلى غير ذلك ،فهذه أمور صادرة عن الله

ونحن إذ نمارسها باعتبارها طاعات باعتبارها قربات وباعتبارها عبادة  لماذا ؟ لأن الذي شرعها هو الله والذين بلغوها لنا هم الناس الذين تلقينا منهم وعرفنا كيفية الصلاة والصيام والحج وغير ذلك

كيف توضأنا وكيف صلينا لأن الإمام الصادق عليه السلام أخبرنا عن وضوء وصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله ،يأتي زرارة أو غيره من الرواة يسأل الإمام الصادق عليه السلام كيف كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فيأتي الإمام الصادق عليه السلام ويأخذ الإبريق ويضع الماء في كفه الأيمن ويغسل وجهه من قصاص الشعر إلى طرف الذقن طولا وما دارت عليه الإبهام والوسطى عرضا وإذ يتم هذه الغسلة يعلق أن النبي صلى الله عليه وآله كان هكذا يغسل وجهه ،ويأخذ كف الماء بيده اليمنى ثم يضعه في اليسرى ثم يغسل من المرفق إلى نهاية الكف بالنسبة لليد اليمنى وهكذا يغسل من المرفق إلى نهاية الكف من اليد اليسرى ويقول معلقا هكذا رسول الله كان يغسل يديه ويمسح مقدمة رأسه ويمسح قدميه ويعلق هكذا كان رسول الله يمسح ،فنحن لما صح لنا هذا عن الإمام الصادق عليه السلام عرفنا وضوء النبي صلى الله عليه وآله أنه بهذه الكيفية لماذا ؟ لأن هذا لسانٌ صادق وقلبٌ طاهر ،هذا وعاءٌ لا يعتريه نسيان ولا خطأ ،هذا وعاءٌ حافظ (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) الحاقة 12، هذه الأذن الواعية التي وعت الوحي

فنحن توضأنا بهذه الكيفية باعتبارها وضوء رسول الله صلى الله عليه واله ، و نمارس هذا العمل جازمين بذلك لأن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال لنا أن هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام حقٌ وصدق

 الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال لنا أن البكاء على الحسين عليه السلام عبادة فنحن كما نمارس الوضوء جازمين أن هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله نبكي على الإمام الحسين عليه السلام باعتباره عبادة جازمين بذلك لأن المصدر هو الله ،نزور الإمام الحسين عليه السلام جازمين بأنها عبادة لأن المصدر الذي تلقينا منه الصلاة والصيام والحج وغيره هو الذي قال لنا أن البكاء على الحسين عليه السلام عبادة وزيارة الحسين عليه السلام عبادة

التفت نحن إذ نمارس هذه الأعمال نمارسها على أساس أنها عبادة وعلى أساس أنها قربات ولذلك لا يمكن أن تتغير،صح لو كانت غايتها سياسية فيمكن القول أنها استخدمت ليوم معين لكي تؤدي الغرض المنشود وبعد تحقق ذلك انتهت الحاجة إليها ولزم أن نمارس شيء آخر

لكن لا ... هذه نمارسها باعتبارها عبادة  ،هل تتغير الصلاة ؟ هل الصلاة تمارس في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله أو في الفترات التي تلت ذلك الزمان أو تلك الفترة ويأتي يوم من الأيام وتتطور البشرية وتسمو وترفع يدها عن الصلاة باعتبار أننا محتاجين إلى وسيلة أخرى نراعي فيها تطور الحياة وتقدمها ؟ لا ..تبقى الصلاة على أنها عبادة وكذلك الحج وغيره حتى يرث الله الأرض ومن عليها

وكذلك البكاء على الحسين عليه السلام لا يعد شيئا قابل للتغيير مارسناه بدافع معين وانتهت الحاجة له واليوم نرفع اليد عنه ونطلب شيء آخر ، لا ، هذا يبقى من الثوابت زيارة الحسين عليه السلام دائما عبادة والبكاء على الحسين عليه السلام دائما عبادة ،ليس شيء قابل للتغيير ،عبادة باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها

صحيح أن هناك اليوم اعتراضات على كل ذلك ،لكننا لا نسمع  استفسارات وتساؤلات علمية بل نسمع سب وشتم ،لكن على كل حال القافلة تسير والكلاب تنبح

نحن نمارس هذه الشعائر فعندما تسمع  

هـلّ عـاشور فـقم جـددّ به  ****  مـأتم الحزن ودع شرباً وأكلا

أو تسمع             فَـمِنَ الـواجبِ عَيناً لبسُ سِربالِiiالأسى **** واتـخاذ الـنّوحِ وِرْداً كـلَّ صُبحٍ iiوَمَسا

هذا كلام عَالِم حجة وهذا ليس اعتباط هذه حقيقة ،وكذلك لا ننسى أن النبي صلى الله عليه وآله لا نقول أنه أول من دعا للبكاء على الحسين عليه السلام بل النبي صلى الله عليه وآله أول من بكى على الحسين عليه السلام وهو أول هذه المصادر التي ارشدت إلى البكاء بالفعل لا بالقول

النبي صلى الله عليه وآله لم يرشد فقط للبكاء على الحسين عليه السلام بل بكى على الحسين عليه السلام ، الإمام علي عليه السلام بكى على الحسين عليه السلام ، جعفر الصادق عليه السلام بكى على الحسين عليه السلام ،علي زين العابدين عليه السلام بكى على الحسين عليه السلام

وليس فقط بكوا بل عملوا على أن يوجد هياج ،يوجد محرك ،ليس فقط بإنشاد الشعر ،فيوم من الأيام يدخل على الإمام الصادق عليه السلام أحد الذين يمارسون الانشاد كأبو هارون المكفوف وينشده

أُمرر على جدث الحسين **** وقل لأعظمه الزكيّة
يا أعظما لازلت من ****وطفاء ساكبة رويّه

ثم يقول                                  وابك المطهّر للمطهّر  ****والمطهرة الزكية

وهذا جعفر بن عفان هذا المنشد المعروف في ذلك اليوم ينشد والإمام الصادق عليه السلام مستولي عليه البكاء وإذا تطلع جارية من داخل البيت تحمل طفل وتضعه في حجر الإمام .. لماذا تُخرج ذلك الطفل ؟ هل كان ذلك بتصرف منها لمعرفتها برضا الإمام أو بإعاز من الإمام ؟ على كل حال تريد توجد هياج بالمجلس ،تريد تقول أو الإمام الصادق عليه السلام يريد يقول أنه كما رضوا عظام الحسين عليه السلام رضوا عظام الطفل وطوقوا نحره بالسهم

 

 

 

اضف هذا الموضوع الى: