محاضرة للخطيب الحسيني خادم أهل البيت عليهم السلام في 28 / صفر /1415 هـ
بعنوان حقيقة الشورى
للاستماع إلى المحاضرة اضغط هنا
القرآن الكريم تناول جوانب مختلفة من حياة الرسول الأقدس محمد صلى الله عليه وآله ، وحديث القرآن حول شخصية وحياة النبي صلى الله عليه وآله متنوع، فتارة يتناول بعثته صلى الله عليه وآله فيصف عالميتها وأثرها على العالم ككل ،وتارة يتناول حال النبي صلى الله عليه وآله مع الناس كتعامله معهم و ارتباطه بهم .
لماذا يعرض القرآن جوانب مختلفة من حياة المصطفى صلى الله عليه وآله ؟
ذلك باعتبار أن المتأمل والباحث المنصف عن الحقيقة ، يمكنه الوصول إلى الحقيقة من خلال التأمل في تلك السيرة العطرة وجوانب تلك الشخصية المعطاءة التي هي تمثل مصدر الخير والعطاء ولهذا العلماء يقولون أن أشرف المعجزات وأهمها التفوق العلمي وهذا أعظم وأشرف ما يحصل عليه الداعية.
إذاً التفوق العلمي أو الاعجاز العلمي أشرف وأعظم وأهم ما يحصل عليه النبي والإمام ،لكن من هم الذين يستفيدون منه ؟؟
يستفيد منه الناس الأماثل ،الناس الأفذاذ ،الناس القمم, هم الذين يستفيدون من التفوق العلمي وليس الناس العاديين ،والذي يوصلهم الى الحقيقة.
أما رعاع الناس هؤلاء ما الذي يفيدهم أو ما هو الشيء الذي ينتفعون به ؟.... فهؤلاء ينتفعون أو يطالبون بخوارق العادات.
ويبقى شيء ثالث للمعاندين من الناس ألا وهو السيف.وهذه أنواع ثلاثة من التأييد حصل عليها المصطفى صلى الله عليه وآله. والتفوق العلمي أهم هذه التأييدات.
وبالنسبة إلى هذه الناحية فإن المصطفى صلى الله عليه وآله ليس بينه وبين الله واسطة .الإمام الصادق سلام الله عليه يُسأل عن الأثر الذي يظهر على النبي صلى الله عليه وآله وقت نزول الوحي ،يقول له السائل هذا الأثر وهذا التغير من نزول جبرائيل ؟ فيقول له :لا ،إن جبرئيل إذا هبط على النبي صلى الله عليه وآله يجلس بين يديه جلسة التلميذ بين يدي أستاذه أو جلسة العبد بين يدي سيده ،أي أن جبرئيل يهبط على النبي صلى الله عليه وآله بتأدب, و حديث الكساء شاهد واضح على هذا "إني استأذنت ربي في النزول إلى الأرض لأكون معكم سادسا فَهَل تَأَذَنُ لِي يَا رَسُول الله".
أنظر كيف احترام جبريل وتأدبه أمام المصطفى صلى الله عليه وآله الذين خُصوا بالشرف الذي لا يُماثِله شرف ،يقول له أنا أتيت يا رسول الله بإذن من عند الله فهل تأذن لي أنت؟
الشاهد: الإمام يبين أن جبريل عندما يهبط على النبي صلى الله عليه وآله يجلس بين يديه جلسة التلميذ بين يدي أستاذه أو جلسة العبد بين يدي سيده و هذا من أثر التجليات الخاصة للنبي صلى الله عليه وآله عندما يوحى إليه ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْده مَا أَوْحَى ﴾ النجم 10 ، يعني فأوحى إلى عبده الذي أوحاه إليه ،هذا الوحي بدون واسطة وحيٌ مباشر من قِبَل الله ،وعلى كل حال هذه التجليات الخاصة للمصطفى صلى الله عليه وآله هو مُعدٌّ لها ومهيأ ٌلها .
وأهم التأييدات كما عرفت العلم أو التفوق العلمي وهذا الذي يعرفه ويستفيد منه أماثل الناس ،والقرآن الكريم إذ يعرض جوانب مختلفة من حياة الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وآله لأن هذه العظمة وهذه الشخصية وهذا العطاء يكفي الإنسان المنصف الباحث عن الحقيقة ليصل من خلال تأملاته في هذه الشخصية وفي عظمتها .
ما هو الجانب من حياة المصطفى صلى الله عليه وآله الذي تناولته الاية المباركة ؟
الآية المباركة تناولت ارتباط النبي صلى الله عليه وآله بالناس ، وصدره الرحب الذي حصل عليه و كان على استعداد لتحمل عنت المتعنتين وتمرد المتمردين واعتداء المعتدين وجفاء الجافين.
القرآن يقول ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ يعني هذا التذليل وهذا التيسير حصل بعناية من الله سبحانه وتعالى ،الله هو الذي سهله وهيأه لك حتى تكون بهذا المستوى ، تتحمل هؤلاء الناس، تواجه منهم الشدة فلولا رحمة الله ما كان هذا الشيء ليحصل.
ثم يقول له ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ أي كيف استطعت أن تصل مع هؤلاء إلى نتيجة ؟ فما حققته وما وصلت إليه ما كان لولا هذه الرحمة ،ولو لم تكن بهذا المستوى من اللين ورحابة الصدر ما كنت تصل الى هذه النتيجة وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ .
ثم تذكره الآية بمجتمعه تقول له ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ تحمَّل منهم وقابلهم بالعفو، ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ وهذه جملة ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ كأنما اتصلت بموضوع النيابة بعد النبي صلى الله عليه وآله ،اتصلت بموضوع الخلافة ،خلافة المصطفى صلى الله عليه وآله ..لماذا اتصلت بموضوع خلافة النبي صلى الله عليه وآله ؟
نحن نعرف أن القرآن الكريم دائما يُذَّكِر بعالمية الدعوة ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ الأنبياء 107 ، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ سبأ 28 ،ومضافا إلى تصريح القرآن بعالمية الدعوة ،القرآن يصرح بأن النبي صلى الله عليه وآله هو النبي الخاتم يعني به خُتِمَت النبوة ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ الأحزاب 40 ، فيُعَرِف الدعوة من ناحية بأنها عالمية ،ومن ناحية يُعَرِف النبوة نبوة محمد صلى الله عليه وآله بأنها النبوة الخاتمة أي لا نبوة بعد هذه النبوة ولا نبي يبعث بعد الحبيب صلى الله عليه وآله.
إذا كانت رسالة النبي صلى الله عليه وآله عالمية أي أنه أرسل للناس كافة بصريح القرآن فالمفروض أن تتصل دعوته بالدنيا شرقا وغربا ،سهلا وجبلا لتستفيد من عطاءها وتجني ثمارها الطيبة .
فإذا كانت الرسالة عالمية ولا بد أن تسود الدنيا كلها ومضافا إلى هذا لا نبوة بعد هذه النبوة ،فنسأل ما هو مصير الناس بعد محمد صلى الله عليه وآله ؟ وكيف مصير الرسالة بعد محمد صلى الله عليه وآله ؟ فهل يبقى الناس يختارون لهم ويعينون ،بحيث تكون فئة تتولى السلطة التنفيذية أي مسؤولية التنفيذ وفئة أخرى مسؤولة عن التشريع ؟ أو أنه أمر آخر ؟؟
الواقع هنا أكثر من رأي وتتنازع الفكرة جملة أراء .. فلنقف قليلا أمام هذه الفكرة .. نقول هل عَهِدَ الرسول صلى الله عليه وآله إلى أحد أم لا؟ أي أن النبي صلى الله عليه وآله عَهِدَ بشؤون الأمة وتدبير أمرها إلى أحد ؟ بمعنى آخر السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية هل النبي صلى الله عليه وآله أهملها أم أوكلها إلى فئة معينة ؟
وإذا قلنا بالإهمال فهل يسع القول بالإهمال أم لا ؟وفي هذه الحالة ماذا يتعين على الناس وكيف الملاك في اسناد السلطة ؟؟؟
وإذا قلنا بأن الإهمال أمر غير ممكن وحصل التعيين فالتعيين لمن ؟وهل من دليل عليه أم لا؟
هذه نقاط فلنقف عندها ولعلنا نصل إلى نتيجة حسب متسع الوقت.
بالنسبة إلى النقطة الأولى هل أهمل النبي صلى الله عليه وآله أم عين؟ ،هناك من يقول بالتعيين وهناك من يقول بعدم التعيين أي أن النبي صلى الله عليه وآله ترك الأمر بدون أن يسنده لأحد ،فهل هذا صحيح ؟هل من الممكن عقلا أن نجزم بهذا ونسلم به ؟
الرسول صلى الله عليه وآله المبعوث بعثة عالمية وصاحب الرسالة العالمية و النبوة الخاتمة ، وبعد بذل هذه الجهود وبعد هذا العطاء و تحمل هذا العبء و هذه المشقة ومواجهة هذه الأذية ،وإذ كانت الغاية ليست نفس النبي صلى الله عليه وآله وليست مصلحة آنية ،بل أن الغاية النظام و الهدى ،الغاية أن تبقى هذه التشريعات على مدى العصور " حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة "،وهو القائل صلى الله عليه وآله " لا نبي بعدي ولا سنة بعد سنتي " ،إذاً غايته من هذا التعب والعناء ومن هذه المشقة التي تحملها ليس تحصيل مكاسب آنية ،فأي مكاسب حصل عليها وأي أملاك حصل عليها ،بيت متفوق ،مقصورة فخمة ، ملبس مميز ، مركب مميز ؟!تمر عليه الأيام حسب ما تتحدث إحدى نسائه تقول : تمر علينا الأيام لا يوجد عندنا سوى الأسودان التمر والماء ، فهل حقق مكاسب مادية حتى تكون الغاية حصل عليها ؟؟ لا لم يحصل على مكاسب مادية منظورة ،وحتى لو فرض حصل عليها فهي ليست الغاية اصلا ،لم يكن النبي صلى الله عليه وآله يفكر في مكاسب آنية إنما الغاية كما ذكرنا أن يبق هذا النظام وأن تظل هذه التشريعات تسود الدنيا وتستفيد الدنيا من هذا العطاء ومن هذا الخير العميق.
فإذا كانت هذه هي الغاية فهل من الجائز وهل من الصحيح أن يموت النبي صلى الله عليه وآله ويترك أمر هذه التشريعات وأمر هذه الأمة ،ولا شيء يربط ما بين الناس وهذه الشريعة المقدسة و القرآن العظيم الذي فيه المجمل وفيه المبين وفيه الناسخ وفيه المنسوخ وفيه العام وفيه الخاص وفيه المطلق وفيه المقيد وفيه المحكم وفيه المتشابه ؟؟
فكيف تكون علاقة الناس بهذا القران مع هذه التقسيمات التي تسمعها ،عام وخاص ومطلق ومقيد وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه ومجمل ومبين وتأويل وتفسير وتنزيل .. مع كل هذه التفصيلات ما هو الرابط الذي يربط الناس بالقرآن ؟!!
في السُنَّة المقدسة يأتي الحديث الشريف " سيكثر الكذابون عليَّ فمن كذب عليَّ متعمدا فجزاءه جهنم " ،فإذا كان الأمر كذلك فهل يصح والحال هذا ،أي أنه بعد هذه التصريحات وبعد هذه البيانات هل يصح أن النبي صلى الله عليه وآله يترك أمر الناس بلا قائد ،يترك أمر الناس فوضى وهل أمر الناس يصلح ويستقيم في حال الفوضى؟؟
ﻻ ﯾَصْلُحُ الناسُ فَوضَى ﻻ سَراةَ لَهُم *** وﻻ سَـراةَ إذا جُهالُهُـمْ ســادُوا
أي أننا محتاجون إلى سراة و إلى أن يكون السراة علماء أيضا ، ليتخلص الناس من الفوضى لا بد من القيادة ،وليس أي قيادة ، لابد من القيادة الحكيمة الرشيدة التي تسير بالناس السير الصحيح وتضع الأمور في محالها
بفرض أن شخصا عاديا من سائر الناس عنده نفائس وعنده ذخائر ويترك أمر هذه النفائس وهذه الذخائر بدون تعيين ، هل يصح منه هذا الشيء ،يُستحسن منه هذا أو يقبله العقلاء منه ؟!
وبفرض شخص مثلا يموت ويُخلف جملة عيال منهم قُصر بدون أن يُعين لهم راع ،هذا خلاف الحكمة طبعا ،خلاف الرشد ولهذا عندنا الحديث الشريف يقول " من مات بلا وصية مات ميتة جاهلية " وعندنا القرآن الكريم ينادي بلزوم الوصية
والحال أن مسألة النيابة ومسألة التعيين هذه على كل حال مما أتفق عليها العقلاء من سالف الأزمان ، فأي شخص عنده شيء مهم لابد أن يعين لذلك الشيء في غيابه حتى وإن كان عنده غنيمات يرعاها إذا غاب عنها لا بد أن يعهد بأمرها إلى إنسان يثق به ويثق بكفاءته .
فكيف يترك النبي صلى الله عليه وآله هذه الأمة وكيف يترك هذه التشريعات وهذه التقنينات والتي هي غايته ،ومقصده استمرارها وبقاءها وتطبيقها ،فهل يصح أن يتركها النبي صلى الله عليه وآله بدون أن يعهد لها ؟؟ أو هل أن الله الذي هو المشرع وهو واضع هذا النظام وواضع هذه التشريعات ومقنن هذه التقنينات ومشرع هذه التشريعات ويريد أن تبق وتستفيد منها البشرية ويستفيد منها الأجيال يتركها بدون حافظ ؟؟! هذا ما لا يمكن قبوله ...هذه نقطة انتهت.
طبعا بالاتفاق لا يصلح الناس بدون قيادة ،فإذا كانت القيادة لا بد منها ،فما هو الملاك في تعيين القيادة ؟ البعض يقول بالشورى ،وعلى اساسها تتم القيادة ، فهؤلاء الذين يقولون بالشورى ما هو مستندهم ؟؟
استندوا إلى آيتين من كتاب الله ،آية 38 من سورة الشورى والتي تقول ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣٨﴾ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴿٣٩﴾ ﴾ ،والآية الثانية آية 159 من سورة آل عمران وهي الآية التي افتتحنا بها وانطلقنا منها كما سمعت ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
هاتان الآيتان الكريمتان والتي استند لهما القائلون بالشورى أي من اتخذ مذهب الشورى في الخلافة ،لا تفيان بالغرض ولا تصلحان للدلالة .. لماذا ؟
لأن هذه الآية والتي هي آية 159 من سورة آل عمران غرضها امتداح النبي صلى الله عليه وآله وأنه من أخلاقه الكريمة مع أنه يلين لهم ويعفو عنهم ويستغفر لهم ،حتى الأمر المتوجه إليه وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ
كل ما هناك تألف للقلوب ليس إلا ،وأنما النبي صلى الله عليه وآله و بالاتفاق ليس بحاجة إلى من يشاركه في التقنين والتشريع ،فالتقنينات والتشريعات حتى, ليست من عندياته ،وليس هو من يأتي بها من مخيلته وفكره ، محمد ليس بمشرع وإنما هو مبلغ ليس إلا ،فتقنيناته وتشريعاته كلها يأتي بها وحي أي كلها تأتي نتيجة وحي يوحى ، فهو ليس بحاجة إلى أي جهة من الجهات يستعين بها برأي أو يستعين بها في أمر ، وكل المقصود من هذه المشورة إنما هو تألف القلوب لأمور جزئية متروكة للناس.
مثلا يجيء له الحباب بن المنذريوم بدر وقد نزل منزلا ،قال له: أ هو منزل أنزلك الله إياه أم هو الحرب والرأي والمشورة ؟،إن كان منزلا أنزلك الله إياه فليس لنا حق ، إذا قُضيت نزلتك بوحي و بأمر إلهي فنحن سمع وطاعة ،وإذا لا شيء أنت اخترته ومعرض للرأي فعندنا رأي آخر ،فقَبِل منه النبي صلى الله عليه وآله
فالأمور العادية البسيطة الجزئية يمكن للنبي صلى الله عليه وآله أن يأخذ فيها رأي البعض
فالآية الكريمة ليس لها أي صلة بالخلافة وليس لها أي صلة بالقيادة وكل ما هناك أنها تمتدح النبي صلى الله عليه وآله فيما يواجه به مجتمعه من أخلاق كريمة كوسيلة لتأليف قلوبهم وإحراز ودهم
الآية الأخرى التي هي الآية 38 من سورة الشورى كل ما هناك أنها تمتدح الفئة المؤمنة التي استجابت لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
الآية قالت وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ فهل الإمامة والقيادة من أمرهم حتى يكون أمرهم شورى ،صح ،لعلك تقول إن من أهم ما يحتاج إليه الناس التبادل في الرأي والمشورة في مسألة القيادة ، تحتاج فيه إلى التثبت والأناة وإلى استعمال الحكمة ،لأن حياة الفوضى لا قيمة لها والحياة بلا قيادة تبقى فوضى والقيادة إذا لم تكن حكيمة الفوضى تبقى.
لكن هذا نقول به لو كان الأمر أمرهم ،لو كانت القيادة مسندة لهم ،لكن هذا الأمر ليس لهم ولا من اختصاصهم وآيات القرآن صريحة قال الله العظيم في كتابه ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة ﴾ القصص 68، و قال الله العظيم في كتابه ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ الأحزاب 36، و قال الله العظيم في كتابه ﴿ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ ص 71-72، و قال الله العظيم في كتابه ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ البقرة 30 ،إنه ولي الخلق وهو ولي الحكم هو مصدر الخلق وهو مصدر الحكم ، الخلق خلقه والحكم حكمه فلا اعتراض في الخلق ولا اعتراض في الحكم
﴿ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ ، ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ لا اعتراض هنا ولا اعتراض هناك ، لا يصح الاعتراض هنا ولا يصح الاعتراض هناك ،وعندما قالت الملائكة ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾ ما فتح المجال أمامهم فقال ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ هذا ليس من شأنكم ، وعندما رفض إبليس الحكم وقال ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾ الأعراف 12، قيل له ﴿ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ الحجر 34، فهو ولي الخلق وهو ولي الحكم.
يعني ليس لنا حق التدخل في شؤون الخلق ولا لنا حق التدخل في الحكم بل علينا أن نسمع ونطيع لله جلت قدرته.
آية أخرى قال تعالى ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ البقرة124،
والسنة القطعية والتي تعرضها السيرة الصحيحة تؤكد لنا أن الإمامة والقيادة ليست من شؤون الناس وليست من المهام المسندة لهم بل هي تعود للمشرع نفسه ،فالسنة القطعية تؤيد هذا وهي مؤيدة ايضا بسيرة المصطفى صلى الله عليه وآله فهؤلاء بنو عامر بن صعصعة وافاهم النبي بالموسم وهو يعرض نفسه على القبائل ،وعرض عليهم دعوته وطلب منهم نصرته ،قالوا يا محمد ندخل في دينك ونقبل ما عندك ولكن إذا أظفرك الله يكون لنا الأمر بعدك ،قال " الأمر لله يضعه حيث يشاء " ،هذا ليس من شأني ولا أراهنكم على هذا ولا أساومكم عليه إن تستجيبوا وتنقادوا فالأمرمن بعدي يعود لله ،فلو كان الأمر عائد للمصطفى صلى الله عليه وآله لكان محتاجا لتألف القلوب وهو محاط بين أولئك القساة الجفاة لكن الأمر لله .
أيضا من النصوص الصريحة والتي لا تقبل التأويل " من أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتي أومماتي ويسكن جنة عدن التي غرسها ربي أو وعدنيها ربي فليتول عليا من بعدي وليتمسك بأهل بيته من بعده فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا فهمي وعلمي الويل للمكذبين بفضلهم من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي "
إذاً الأمر ليس للناس وإنما هو عائد لله سبحانه وتعالى ، ورسول الله لا يمكن أن يفارق الحياة بدون أن يعهد بالأمر ،بل أن الله لا يمكن أن يقبض نبيه ويترك شؤون الناس فوضى ،ولا بد من التعيين فهل حصل التعيين وهل تأكد ؟ الجواب نعم ،التعيين حصل والناس المعينون هم الناس الذين من رسول الله مادة ومعنى ،الناس المعينون هم الذين لا يختلفون عن رسول الله ،هم الذين يتصلون برسول الله وهم الذين يرتبطون برسول الله نوعا هم الذين قال النبي فيهم " هم مني وأنا منهم ،أنا حربٌ لمن حاربهم وسلمٌ لمن سالمهم وعدوٌ لمن عاداهم ومحبٌ لمن أحبهم " هؤلاء هم المعينون ومن تتبع السيرة العطرة من بدء الوحي وحتى السنة العاشرة من الهجرة تبدو له هذه الحقيقة واضحة جلية لا لبس عليها ولا غبار.
وليس بعد نص الغدير جدال ولا نقاش ،كيف ورسول الله صلى الله عليه وآله وبعد تتالي النصوص وتعاقبها حديثا وقرانا من أول ساعات البعثة وحتى ذلك اليوم بل وحتى في لحظاته الأخيرة حديث الثقلين " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي انظروا كيف تخلفوني فيهما " ونص الغدير في ذلك اليوم سمعه كل أحد وما خفي ذلك على أحدٍ أبداً ورسول الله يعلن الصوت داعيا ،رافعا ببضع علي قائلا "من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وادر الحق معه حيثما دار " وهذا ما أثبتته السنة القطعية الصدور واستفدناه منها ،فما حصل في غدير خم هذا ،أمرٌ قطعي وليس ظني ،قطعا صار ،وإذا أمكن لأحد أن يشكك في حديث الغدير أو ينكر حديث الغدير لا يبقى حديث ثابت بعده .
هناك فئة خططت إلى أن تنحرف بالقيادة عن الجهة التي اسندها الله لها وكانت واعية وفي نفس الوقت عندها لباقة ولذلك أي تحرك من قِبَل النبي صلى الله عليه وآله لهذا الغرض يواجه برفض من تلك الفئة ،وحديث جيش أسامة واضحٌ ظاهر.
رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في أيامه الأخيرة ،في المرحلة الأخيرة من حياته يعقد لواء ،ويعين جيش ،ويسند قيادته إلى غلام حدث الذي هو أسامة بن زيد ،ويجعل تحت قيادته الوجهاء والكبراء والشيوخ المسنون ،وإذا النبي صلى الله عليه وآله يطلب من أسامة أن يخرج بذلك الجيش إلى حدود الشام إلى مؤته ويصيح نفذوا بعث أسامة لعن الله من تخلف عنه وما قصد النبي صلى الله عليه وآله إلا أن تخلو المدينة من الفئة المعارضة التي من الممكن أن تعمل على أن تنحرف القيادة عن مكانها الطبيعي ،أراد النبي صلى الله عليه وآله أن تخلو المدينة من هذه الفئة حتى تبقى القيادة لأهلها وبدون منازع ، لكن الجهة الأخرى فهمت قصد النبي صلى الله عليه وآله ولذلك حاولوا أن يضيع هذا الجهد ، وفعلا خرجوا إلى الجرف وعادوا في اليوم التالي ، لما الرجوع ..! أكره أن أسأل عنك الركبان ، كيف أخرج وأنت في هذه الحال ، والنبي صلى الله عليه وآله يعقب على هذا " نفذوا بعث أسامة ،لعن الله من تخلف عنه ".
هذا جهد للمصطفى صلى الله عليه وآله ،وجهد آخر واضح صريح في ساعاته أو أيامه الأخيرة يصيح " ائتوني بدواة وكَتِف أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده " ، وما أراد إلا علي ، وما أراد إلا القيادة ،وإلا فأي كتاب ولماذا الكتاب؟ ما الذي بقي لم يبينه بعد ؟ لكن ما أراد إلا التأكيد على القيادة ،نعم لكن فهم المعنيون قصد النبي صلى الله عليه وآله وما أراده وقد قام أحد الجالسين لإحضار الدواة والكتب فاعترضه معترض وقال اجلس إن محمدا يهجر ،وأفاق المصطفى صلى الله عليه وآله والتنازع حاصل ألا نأتيك بالدواة والكتب قال "كلا بعد الذي قلتم لكن أوصيكم بالثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي"
الرزية كل الرزية يوم الخميس وما أدراك ما يوم الخميس أي يوم على الإسلام ذلك اليوم
وأشـد ممـا نـابَ كـل مكـونٌ *** من قال قلب محمدٌ محـزون
رزية عظمى ما ماثلتها رزية ، مأساة الطف فرعها ذلك اليوم ولولا ذلك اليوم ما صارت عاشوراء وما سفك دم علي في المحراب وما قطعت كبد الحسن بالسموم ولولا ذلك اليوم ما رفع رأس الحسين على القناة ولا حصلت أي ظلامة ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾




