محاضرة بعنوان الإصلاح مسؤولية الجميع

محاضرة للخطيب الحسيني خادم أهل البيت عليهم السلام في 1 / محرم /1425 هـ

بعنوان الإصلاح مسؤولية الجميع

 

قال تعالى ﴿ وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ البقرة 195

الآية المباركة فيها مضامين وتوجيهات مهمة ،وهي من الآيات التي تتضمن الأمر والنهي ،فقد تأتي الآيات بصيغة الأمر وقد تأتي توجيهاتها كلها بصيغة النهي وقد لا تتضمن الأمرين معا ،وقد تتضمن الأمر و النهي كما في الآية المباركة ، فقد جاءت صيغة الأمر فيها مرتين كما أنها اشتملت على صيغة نهي أيضا .

ففي بداية الآية حثٌ على الإنفاق في سبيل الله ﴿ وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وفي نهايتها أمر بالإحسان ﴿ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، والنهي متوسط ما بين الأمرين ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.

ما يلاحظ في الآية كأنما ترك الإنفاق إلقاء باليد إلى التهلكة ، فالبعض قد يتصور ما لا تريده الآية ،فتسمع بين كلمة وأخرى وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ والحال أن الاية مرادها قد لا يوافق المطلوب ،وقد يكون الشيء الذي يَسْتَشْهِد البعض فيه بالآية لا يكون له أي ارتباط بها ،فمثلا قد يقف أحدٌ موقفَ حق ، موقفا يفرضه الواجب ،والحياة قيمتها موقف ،الحياة بدون موقف لا فائدة منها ولا أثر لها ، ولكن مع ذلك البعض لسببٍ أو لآخر قد يتسرع يصدّر حكما على من وقف الموقف المشرف ،الموقف الذي يفرضه الواجب ،أو لا ،قد يكون البعض وقف موقف تعجل به الجنة ،أي قد يكون في سعة لاختيار أمر آخر،كموقف حجر رضوان الله عليه ،فهذا يقال عنه تعجل الجنة وراح في الخالدين ،فيأتي البعض والذي ليس لديه عمق ولا يملك نظرة بعيدة ليصدر حكمه بأن هذا إلقاء باليد إلى التهلكة أو غير ذلك ،والحال أن الآية بعيدةٌ عن هذا .

لاحظ الآية تقول وَأَنفِقُواْ ثم تقول وَلاَ تُلْقُواْ يعني تحث على الإنفاق وتنهى عن الإلقاء باليد إلى التهلكة أي تنهى عن ترك الإنفاق.

فما المراد من الإنفاق ؟؟

تكررت لفظة الإنفاق في القران الكريم بعدة صيغ  أَنْفَقُوا ، يُنْفِقُون ، أَنْفِقُوا فقد تسمعها بصيغة الأمر أو المضارع أو قد تكون خبر مثلا ، وهذا يدلنا على أهمية الإنفاق.

الإنفاق هذه اللفظة المفردة والتي تكررت في القران وبصيغ مختلفة قد تأتي مقترنة بأمر معين مثلا قوله تعالى ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ البقرة 261

فعندما تقرأ آية تتحدث عن الإنفاق المقترن بالمال أي تحث على بذل المال  وتقرن هذا الحث بالترغيب وليس بصيغة الأمر, فهي تكشف عن نتائج الإنفاق ، أما إذا لم يقترن الإنفاق بشيء معين, فيبق له أكثر من معنى .

ولذلك عندما سُئل الإمام الصادق رئيس المذهب -عليه وعلى آبائه الآف التحية والسلام- عن الآية الكريمة ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ البقرة 3 ، أجاب كما تقول الرواية  " مِمَّا عَلَمْنَاهُمْ يَبِثُون "

إفادة العلم مطلوبة  وبذل العلم مطلوب فلماذا يُحَصِّل الإنسان العلم ؟

إن الغاية من اكتساب العلم اصلاح النفس أولاً ، فلا يقدر الإنسان أن يصلح حاله مع الجهل ، فالجهل لا تنصلح به الأحوال أبدا ، الجهل مدمر ،الجهل مردي ،الجهل مهلك.

لا يمكن الاصلاح ولا يمكن أن يصلح الإنسان نفسه في مختلف الأحوال مع الجهل سواء تنظيم علاقته مع الله أو تنظيم علاقته بأسرته بمجتمعه بتعامله مع الناس كل هذه الاحوال محتاجين فيها إلى العلم .

الصلاة تكليفٌ وعملٌ يومي يصحب الإنسان من بدء تمييزه إلى آخر لحظة ما لم يطرأ طارئ على الحياة فكريا ...أعوذ بالله ...اللهم لا تسلبنا صالح ما أنعمت به علينا ، فإذا لم يطرأ طارئ على الحياة فكريا يبق التكليف بالصلاة لازم للإنسان وإلى النهاية ،اللهم إلا أن الأداء يختلف باختلاف حالات الإنسان الصحية ،هناك معاذير تطرأ وإذا طرأت المعاذير ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا البقرة 286 .

هذا التكليف و العمل اليومي, كيف يستطيع الإنسان أن يؤديه بشكل صحيح ؟

القرآن لم يقل فقط صلوا ،بل قال أقيموا الصلاة ،وامتدح المؤمنين ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ البقرة 3 ، فمعنى من معاني يقيمون الصلاة أنهم يؤدونها بكامل حدودها ،وإن كان رأي من الآراء أن المراد من اقامة الصلاة, العمل على اقامة الصلاة ،يعني ليس فقط يصلي, و لكن يصلي وفي نفس الوقت يكون عمله مستهدفا إلى أن تكون الصلاة قائمة ،لذلك نخاطب الإمام الحسين عليه السلام في الزيارة الوارثية " أَشْهَدُ أَنَّكَ قد أَقَمْتَ الصَّلَاة وَاَتَيْتَ الزَّكَاة " .

الشاهد من هذا أن أداء الصلاة أو اقامة الصلاة نحتاج فيها إلى العلم ، وهكذا كل ما يرتبط بتزكية النفس ، لا يمكن أن يَتَأَتَ إلا بالعلم ، وهذا هو الهدف الأول لتحصيل العلم إصلاح وتزكية النفس ، ثم ماذا ؟؟

بذل العلم أيضا " يا موسى  تَعَلَّم الخير وعَلَّمه فإنِّي منور لمتعلمي الخير ومعلميه قبورهم " ، وعندما نقرأ الآيات التي ترتبط بالجانب التربوي والذي تُعَرِّف ربَّ الأُسرة ماذا يَتَعَين عليه اتجاه أسرته ،نقرأ من تلك الآيات ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا التحريم 6 ،فما قال القرآن أَصلِح نفسك فقط أو اعمل على تزكية نفسك فقط قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ،فكيف نقي أنفسنا وأهلينا ؟،إن تحصيل الوقاية نحتاج فيه إلى العلم.

وكما قلنا بدءا لا نستطيع أن نصلح أحوالنا ولا نستطيع أن نصلح أنفسنا مع الجهل ،وكذلك إن ما يتعين علينا اتجاه اهلنا واتجاه المجتمع من ارشاد وتوجيه ليس مسؤولية فرد أو أفراد ، وصحيح أن المسؤوليات تختلف تبعا لاختلاف القابليات والاستعدادات ولكن مع ذلك و كما يقول الحديث " كُلِكُم ْرَاعٍ وَكُلِكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَته " 

إذاً بذل العلم إنفاق ،وهو مطلوب ،فعندما يقول القرآن ﴿ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ هذا من جملة ما يراد به بذل العلم ،كذلك أيضا ما أفاده الإنسان من جاه وكلمة نافذة فقد يكون الإنسان عنده علم ،ولا شك أن العالم أقدر على التوجيه من غيره ،وأعرف بالتوجيه من غيره ،لكن لا تنحصر المسؤولية في العالِم وتبقى للوجاهة دورها وللكلمة المسموعة أثرها ،فمثلا أحد المؤمنين الأخيار الطيبين إذا كان له أثر بفعله الطيب الجميل على غيره، يسعى للإصلاح بين الناس. لاشك أن هذه الجهود لها أثرها ولها قيمتها واعتبارها وتقرب صاحبها من الناس وتحببه اليهم ،وبمقتضى قربه وحب الناس له سيكون صاحب كلمة مسموعة ، وإذا كان كذلك تبقى الكلمة مسؤولية أيضا.

فالكلمة مسؤولية يحملها من يقدر على بذلها ومن يملك امكانية توجيه الكلمة الهادفة التي تنشر الإصلاح والتي تكافح الفساد وتغير المنكر والتي تؤلف بين القلوب وتجمع الشتات

ورد عن أميرنا ومقتدانا أمير المؤمنين سلام الله عليه قوله " صدقة يحبها الله : إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا ، وتقارب بينهم إذا تباعدوا " ، فمثلا عندما يطرأ على علاقة ما طارئ بين أخ وأخيه أو بين جار وجاره أو بين زوج وزوجه فيا حبذا أن تقال الكلمة الهادفة التي تنهي هذه الفرقة وتنهي هذا التباعد وتؤلف بين المتباعدين ، انظر إلى توجيه القرآن ﴿ لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ النساء 114، إذاً العمل المثمر هو ذاك العمل الذي له ايجابياته ونفعه وله أثره الطيب.

كذلك الإنفاق المالي مسؤولية ذوي الأموال أيضا ،فالإنسان في ظل الإسلام لا يبقى فرد يتحمل مسؤولية نفسه فقط بل يتحمل مسؤولية غيره ،سواء بما أنعم الله عليه من نعمة الجاه أو العلم  وبما أنعم الله عليه من نعمة المال ،فكما العالم يحمل مسؤولية اتجاه علمه ،وذو الجاه يحمل مسؤولية اتجاه جاهه ، ذو المال أيضا يتحمل مسؤولية اتجاه أمواله ،لذلك كثيرة هي تلك الآيات القرآنية التي تحدثت عن الإنفاق وبعضها خصت المال بالذكر مثلا ﴿
وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ الصف 11.

الآية الكريمة مطلع حديثنا ،وهي تحثنا على الإنفاق ،وتحثنا على الإحسان ﴿ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ يأتي النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة عُقَيْب الحثَّ على الإنفاق ،فكأنما الآية تريد أن تبين لنا أن ترك الإنفاق إلقاء باليد إلى التهلكة ،أي أن الإنسان أيا كان عندما يترك الإنفاق فالعالم والوجيه عندما يترك كل منهما دوره وما يتعين عليه ماذا تصير النهاية ؟ ، النهاية هلاك ودمار ، لأنه كما قلنا بدءا الذي يصلح الحياة ويساعد الإنسان على التمكن من تزكية نفسه و اصلاحها هو انتشار العلم ،لأنه الوسيلة لمكافحة الجهل .

سلام الله على الريحانتين الحسنين الحسن والحسين صلوات الله عليهما ،سيرتهما وما أروع وأعظم هذه السيرة ،مما يذكر عنهما صلوات الله عليهما من مكارم اخلاقهما أنهما مرا بشيخ يتوضأ ،ويبدو أن هذا الحدث كان في الوقت المبكر من حياتهما صلوات الله عليهما ،بحيث أن المقابل ما كان يعرف من معه ،وكان وضوء الشيخ ليس بالوضوء المبرئ للذمة  ،لأن الوضوء له كيفية وله شروط فإذا طرأ خلل ما ،كأن يغسل عضوا أو يمسح عليه بغير الكيفية المطلوبة ،أو يتخلله ناقض من النواقض ،فعندها يكون وضوء الشخص باطلا ،وبالتالي تبطل الصلاة ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... المائدة 6، عليه لا بد أن يتم الوضوء ،والذي هو مقدمة من مقدمات الطهارة ،على المنهج الشرعي وبالشكل المطلوب. فإذا حصل الإخلال به فالفساد لا يتوقف عنده بل يترتب عليه  فساد ما بعده ،وهكذا ما تتوقف الصلاة على صحته من غسل أو تيمم حسب وظيفة المكلف.

الشاهد أن الإمامين صلوات الله عليهما عندما شاهدا  وضوء ذلك الشيخ صعب عليهما أن يتركاه ،فكيف الوصول إليه. فبدون مقدمة قد لا يستجيب لهما سيما أنه لا يعرف من يقابل وهما في حداثة السن ،فاختلقا نزاعا بينهما في الوضوء ،هكذا يقول الأثر، أيُنا وضوءه أحسن أو كُلاً يقول وضوئي أحسن ،ثم انتهيا إلى الشيخ ، يا شيخ لقد أكثرنا نزاعا أنا وأخي في الوضوء ، ونحب أن نُحَكَّمَك فيما بيننا ،نريد أن نتوضأ أمامك لترى أيُنا وضوءه أحسن ، الآن اعطوه فخامة وعظموه ،فقال لا مانع ، فأخذ كلٌ منهما يتوضأ ،وحسب ما يقال أنه لمَّا واحدهم يغسل العضو المطلوب غسله ،يقول هكذا رأيت جدي يغسل ، وكذلك عندما يريد أن يمسح يقول هكذا رأيت جدي يمسح ،وبعد ما أتما وضوءهما هذا ،انتبه الشيخ إلى أن عمله خطأ ،والذي أكد له ذلك تكرار قولهم هكذا رأيت جدي يفعل ،فخطر في نفسه أن هؤلاء ليسوا أناس عاديين وأن المُسْتَشْهَد به شخصٌ عظيم ،لا بد أن يكون صاحب الرسالة  ، أقبل عليهما ،أنتما ابني رسول الله صلى الله عليه وآله ،قالوا بلى هذا الحسن وهذا الحسين ، قال كلاكما وضوءه حسن أو كلاكما تحسنان الوضوء ،ولكن الشيخ لا يحسن الوضوء وقد تعلم منكما وتاب لله على أيديكما والحمد لله الذي جعلكما بركة على أمة جدكما رسول الله صلى الله عليه وآله.

لو فرضنا وكما يقال فرض المحال ليس محال أنهما تركاه وحاشاهما أن يتركاه لكن بلحاظ أنا وأنت لو كان بإمكاننا أن نقوم بدور مثل هذا الدور فلو رأينا تصرف خاطئ أو سمعنا كلمة خاطئة ماذا ينتج عن سكوتنا أو اغماضنا عن العمل الخاطئ ؟

طبعا ينتج ازدياد وتكرار في الأخطاء ، لكن الناس الذين لهم الكلمة النافذة والموقف المؤثر حينما يلوح لهم خطأ بالسلوك أو كلمة لا ينبغي أن تقال ، سيقابل الخطأ طبعا برده بالتي هي أحسن لأن القرآن يقول ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ النحل 125،فترك التوجيه أو ترك الإنفاق أيا كان سواء كان البذل المالي أو البذل العلمي إلقاء باليد الى التهلكة .

ولذلك عندما تمر ذكرى صدقة أمير المؤمنين أبو الحسن سلام الله عليه في يوم 24 ذو الحجة يوم المباهلة والصدقة التي تصدق بها الإمام عليه السلام وعلى أثر ذلك كان نزول آية الولاية ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ المائدة 55 ،وهذه بإجماع كبار المفسرين والمحدثين والمؤرخين أنها نزلت في الإمام أمير المؤمنين علي سلام الله عليه ، كيف كان نزولها ؟ ذكر العلماء والمفكرون والمحدثون والمؤرخون أن عليا عليه السلام سمع سائلا وهو يصلي ،مشغولا بصلاته ،وهو عليه السلام الذي إذا اشتغل بالصلاة يسمو ويرتفع ،يبقى مرتبط بالعالم الأرفع بالعالم الروحي بالملأ الأعلى،إذا وقف للصلاة هكذا هو ،ومع ذلك ما فاته هذا الموقف ، لماذا؟ تلافيا للسلبيات التي ستترتب على ترك ذلك السائل والإغماض عنه.

يقال " لو صدق السائل لهلك المسؤول " لنلتفت ففي صدق السائل هلاك المسؤول فمثلا إذا جاء أحد ،وقال لك أنا جائع وعيالي جائعون وأنت عندك القدرة على سد فاقته فهل يصح الإعراض ؟ ،إذا كان المُدعى حقيقة فهنا مشكلة والإنسان في هذه الحالة يرتكب مخالفة كبرى قد يكون فيها الهلاك بينما المبادرة لها قيمتها ،يقال كم من لقمة دفعت نقمات.

الشاهد أن الإمام علي عليه السلام سمع السائل وهو في صلاته وكان في حال الركوع أومأ إليه بخنصره والخاتم في خنصره ، والفقهاء يقولون الإشارة لا تنافي الصلاة ويمكن استخدامها إذا كان هناك داعِ  لذلك ،على شرط التزام المصلي بوقار موقفه وقيمة الصلاة ، فجاء السائل وأخذ الخاتم ،وإذ على اثر ذلك ينزل جبرئيل -عليه السلام- على النبي -صلى الله عليه وآله- ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وهذا ما قاله حسان بن ثابت وإن كان للأسف الآن في ديوان حسان المطبوع لا يوجد ذكر لعلي -عليه السلام-:

فأنتَ الذي أعطيتَ إذ كنتَ راكعاً

زكاةً.. فَدتْكَ النفسُ يا خيرَ راكعِ

فأنـزلَ فـيك اللهُ خـيرَ ولايـةٍ

وبَيّنها فـي مُـحكَماتِ الشرائعِ

 

هذه الولاية تبقى للطيبين الأطهار من ولد علي صلوات الله عليهم أجمعين  ،ونسأل الله أن يثبتنا على ولايتهم وأن يجعلنا معهم في الدنيا والآخرة.

ونحن في هذه الأيام في موسم العطاء والبذل في موسم تضحية سيد الشهداء عليه السلام تجد الإمام الحسين سلام الله عليه هذا الذي اعطى لله كلَّ شيء ،وهو قدوتنا وإمامنا بنص النبي صلى الله عليه وآله وليس أمر استحدثناه ،أو قرار اتخذناه من عندياتنا ،فهذا تعيين الله " ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا " ، هذا العظيم الذي اعطى وبذل لإبقاء أمته وعقيدته ،لإبقاء مبادئه، ولتوثيق علاقته بخالقه ،حتى وقف تُصافِح السيوف والرماح صدره وجبينه ،وقف يبذل كل غال ونفيس وهو ينادي خالقه

أعطيت ربي موثقاً لا ينقضي **** إلا بقتلي فاصعدي وذرينــــــــي
إن كان ديـن محمد لم يسـتقم **** إلا بقتلي يا سيوفُ خـُذيــــــــني

اضف هذا الموضوع الى: