محاضرة للخطيب الحسيني خادم أهل البيت عليهم السلام في ذكرى وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله عام 1410 هـ بعنوان اثبات الإمامة والخلافة
قال تعالى ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصلىاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ المائدة 55
هذه الآية المباركة وهي من الآيات القرآنية التي يستفاد منها النص على تعيين الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه ،أي أنه الإمام والخليفة المباشر بعد النبي صلى الله عليه وآله .
والواقع أن مسألة الخلافة والإمامة هي المسألة الخلافية الأم ما بين المذاهب الإسلامية ، حيث أن الفوارق الحاصلة ما بين علماء المسلمين ، كلها ترجع إلى هذا الأصل وفيما عدا ذلك كلها تعتبر مسائل فرعية مرجعها الفقه.على سبيل المثال زيارة القبور أو التوسل بالنبي وآله عليهم السلام ،فهذه مسألة ليس لها اتصال بالعقيدة وهي مسألة من المسائل الفقهية التي مرجعها الفقه وليس لها ارتباط بالأصول.
بعد أن نَعْرِف وبإجماع المسلمين أن النبي صلى الله عليه وآله كان الملاذ لهم في حياته يلوذون بشخصه كلما أفزعهم أو أهمهم أمر، فكانوا يستدفعون به البلاء ويستجلبون به الخير ويستمطرون به الرحمة. وهذا ثابت إلى الرسول صلى الله عليه واله في حياته بلا منازع ،فعند الرجوع للتاريخ تجد هذا المعنى واضحا.
وكذلك تجد في صريح القرآن أيضا قال تعالى ﴿ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ الأنفال 33 ،يعني وجود النبي صلى الله عليه وآله أمان للأمة ،وقال تعالى أيضا ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ النساء 64 .
فعندما يأتي مثلاً أحد العلماء ليقول :هذا المعنى ثابت للنبي صلى الله عليه وآله في حياته وليس ثابت له بعد موته ،فمن أين جاء بهذا الكلام ؟وما الدليل على ذلك ؟!
يأتي احدهم يقول له صلى الله عليه وآله
أتـيتك والعـذراء تبـكي برنة وقد ذهـلت أم الرضيع عن الطـفل
وأخـت وبنـتان وأم عجوزة وقد كدت من فقري أخالط في عقلي
وليـس لنـا إلا اليـك مــلاذنا وأيـن مـلاذ الناس إلا إلى الــرسل
فيدعو النبي صلى الله عليه وآله ربه ،حيث السماء صافية والشمس طالعة ، وبمجرد دعاءه أقبل السحاب وهَطَلَ المطر، حتى مُطِرَ الناسُ سبعاً لم تطلع فيها الشمس ،كما يذكر التاريخ (مُطِرَ الناسُ سبعاً ما رأيت الشمس فيها أبدا حتى جاءَ أهلُ المدينةِ يهرعون ،قالوا يا رسول الله فاضت الحيطان وامتلأت الأودية وخِفْنَا سقوط المنازل ،فاسأل الله أن يصرفه عنّا ،فحَرَّك النبي صلى الله عليه وآله شفتيه ،وقال " اللهم حوالينا ولا علينا " ، فتفرق السحاب،و طلعت الشمس ،وبر المدينة كله ممطر، تبدو للناظر كأنها الاكليل من بعيد).
فإذا كان هذا شيءٌ ثابتٌ للنبي صلى الله عليه وآله في حياته ،وكانت تلتمس البركة مِن يده وَرِيقه ومِن فضلة فمه ويُلتَمس منه الشفاء ،فمَا المانع مِن ذلك بعد موته صلى الله عليه وآله ؟
ثم أن المسلمين كانوا يلوذون بالنبي صلى الله عليه وآله في محياه وبقبره بعد مماته مدة ستة قرون أو سبعة ،وذلك لاعتقادهم أن روح النبي صلى الله عليه وآله موجودة ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ البقرة 154
إذاً هذه المسألة تعود للفقه وليس لها صلة بالعقيدة, إنما المسألة الأم والتي كل الخلافات ترجع لها هي قضية الخلافة.
فالخلافة هي محل النزاع والصراع منذ أن توفي الرسول صلى الله عليه وآله وإلى الآن وحتى ما شاء الله. وهو يدور حول هل أن النبي صلى الله عليه وآله نَصَّ على شخصٍ بعينه ؟ وهل أن الخلافة بالتعيين من الله عز وجل أو أنها قضية متروكة للناس؟
الإمامة في عقيدة الشيعة أصل من أصول الدين وليست مسألة فرعية وبما أنها كذلك فليس لأحد التدخل فيها ،ولا بد أن يتم البتُّ فيها والتعيين من الله عز وجل و هي في ذلك كالنبوة ، كما أن الناس ليس لهم حق في اختيار النبي صلى الله عليه وآله أو في تعيينه ،كذلك ليس لهم حق في اختيار الإمام عليه السلام وتعيينه. فالنبي صلى الله عليه وآله يعينه الله و كذلك الإمام عليه السلام يعينه الله ، هذا الشيء الذي نعتقده حول الامامة ،هذا الجانب الأول.
من جانب آخر فإن غير الشيعة لا يروا الإمامة أصلا من أصول الدين ،وعندهم القضية فرعية ،ولذلك لا تحتاج إلى تعيين من قِبل الله أو من قِبل النبي صلى الله عليه وآله ،بل هي متروكة لاختيار الناس .
فإذا تساءلنا على أي أساس يتم الاختيار وكيف يكون ؟. نقول إذا كان الأمر كذلك فمن المفترض أن يختاروا ذا الكفاءة وذا الأهلية ،أي الشخص الذي يملك القابليات والاستعدادات.
فهل بإمكان الناس الوصول إلى أن يعرفوا حقيقة الأشخاص ؟ طبعا ليس بإمكان الناس ذلك ..لماذا ؟؟ لأنهم يصدرون الحكم على الظواهر فقط ،فإذا كان أحد الأشخاص يرتدي العمة والجبة و مظهره مظهر صلاح فسيقال عنه إنه إنسانٌ جيدٌ طيب لكن ماذا تحت العباءة وتحت ذلك المظهر ؟؟! فالناس لا تعرف الحقيقة ،وإذا كان الأمر كذلك فكيف يتمكنون من الاختيار ؟ إن التجارب أثبتت أن الإنسان اليوم تراه بظاهر صلاح وغدا يتغير ، كان عبد الملك بن مروان مثلا حليف القران والمسجد وعندما بُشِرَ بالأمر رمى المصحف وقال هذا آخر العهد.
أضف إلى ذلك أن الاختيار متى يتم ببراءة ؟؟ !! فالاختيار قد تتدخل فيه العواطف وقد تتحكم فيه المصالح ، وقد يصوت شخص إلى جانب فلان لأن بينهما رحم أو بينهما تبادل مصلحي،فكيف ينجح مثل هذا الاختيار ؟؟
ثم أنه إذا رجعنا إلى التاريخ فمتى صار الاختيار ؟؟ وإذا فرضنا أن الإمامة والخلافة بالاختيار والناس مَن يختار وينتخب شخص الخليفة ،ففي أي عهدٍ تمَ الاختيار ؟؟!! ولو كان هناك اختيار صحيح ما ظلت الأمة تتخبط في متاهات ومشاكل وحروب وسفك للدماءٍ ، و لَكَانت الأمة الإسلامية في هدوء واستقرار ، رحم الله دعبل الخزاعي حيث قال
ولو قَلدوا الموصى إليه أمورهم لزُمّت بمأمونٍ عن العثراتِ
عندما تعتقد الشيعة أن الخلافة أصل مِن أصول الدين ،وأن ملاك التعيين راجع لله عز وجل ،أي أن الله هو الذي يختار لهذا المنصب ،فهل هذا مجرد كلام أو أن هناك دليل يسانده ؟؟
لا... بالتأكيد يوجد دليل يسانده ،فأين الدليل على ذلك ؟ إلتفت .. هناك ادلة من القرآن تدل بوضوح على أن جَعْل الخليفة مسألة تعود لله ، قال تعالى ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾ ص 26 ، تَصَور قال له جعلناك خليفة وما قال له صِر أو قال له اختارك الناس ،فنسب جعل الخليفة إليه عز وجل.
أيضاً قوله عزَّ وجلَّ ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ البقرة 30 ، فَنَسَب الجَعْلَ إليه ولم ينسبه للناس ، وقال تعالى ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ البقرة 124 ، كم هي المطالب التي تعرضت لها هذه الآية إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً يعني ما قال له صِر ،وما قال له اختارك الناس إماماً ،بل قال إِنِّي جَاعِلُكَ فهو دليلٌ على أن نَصَّ اختيارالإمام يعود لله ،واستفهامُ الخليل على نبينا وآله وعليه السلام وَمِن ذُرِّيَّتِي،وقد همَّه الأمر ،فعندما بُشِر بأن الله جعله إماما ، وأنه ظفر بمنزلةٍ عليا ،ورتبةٍ ثانية ،فَمِنْ سروره بما وصل إليه تمنى بقاء ذلك في ذريته ،فاستفهم وَمِن ذُرِّيَّتِي وأتاه النداء قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فَلِمَاذا لم يقل له الله عز وجل هذه قضية تعود للناس ؟ ولماذا يقول لاَ يَنَالُ عَهْدِي ؟ أي أنه عَرَّفّ الإمامة بأنها عهده ،وأن هذا العهد لا بد أن يضعه هو حيث يشاء ،لذلك يقول له لا يناله ظالم لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ، وهذه كلها نصوص تدل على أن نَصَّ اختيار الخليفة و الإمام مسألة تعود لله سبحانه.
بعد استعراض هذه الجمل المفيدة نعود للتعيين الذي حصل بعد النبي صلى الله عليه وآله ، فنقول هل أن النبي صلى الله عليه وآله عينَّ ونَصَّ على إنسانٍ بعينه أم لا ؟ طبعا النبي صلى الله عليه وآله عينَّ ونَصَّ على ذلك ، ولدينا كثيرٌ من النصوص ،وهي من مصدرين القرآن والسنة المقدسة .أما القرآن فما أكثر الآيات القرآنية ، وفي طليعتها الآية التي بدأنا بها الحديث ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ يعني آية الصدقة.
أولاً : هذه الآية ماذا تهدف وما معناها ؟
الآية بُدِئت بأداة من أدوات الحصر إِنَّمَا بل أقوى أدوات الحصر حسب ما يَنِصُّ عليه علماء اللغة ، إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ أي أن الآية حصرت الولاية المطلقة العامة والغير محدودة لله سبحانه وهذا مما لا شك فيه، الله وليُ خلقه ،هو الذي أفاض عليهم الحياة و هو الضامن في استمرارها ونواصي العباد بيده ومردهم اليه، وَرَسُولُهُ وهذه الولاية المطلقة للنبي من الله ،أي أن الله أعطاه وجعل له ولاية عامة مطلقة ليس لها حد وليس لها قيد ، وقد صرح بها القرآن في موطنٍ آخر قال تعالى ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ الاحزاب 6 ، ثم تقول الاية موضع البحث ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ أي أن الولاية المطلقة التي ليس لها حد ولا قيد. والتي للرسول صلى الله عليه واله هي للذين آمنوا ، فمن هم الذين آمنوا ؟هنا الكلام عام ،ثم جاء ما يخصص هذا العام ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصلاَةَ ﴾ وهذا تقييد فليس كل الذين آمنوا ،بل مشروطين بهذا الشرط الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وإلى هنا لم يحصل القيد والحصر، لأن المؤمن الملتزم لا بد أن يصلي ويزكي ،لكن القيد يأتي هنا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ يعني يؤدون الزكاة ويعطون الصدقة حالة الركوع ،فإلى هنا أصبح القيد واضح ،فليس كل مؤمن له الولاية المطلقة العامة ،إنما هي محصورة في أشخاص معينين هذه صفاتهم .
ولتوضيح ذلك مثلا إذا جاء أحدٌ ما ،وسأل عن رجل ،فستقول له هناك مئات الرجال ،فأي رجلٍ تريد ؟ فهذا كلامٌ شامل ،لكن عندما يقول مثلاً أُريدُ رجلاً طويلَ القامة معتدلُ النشاط ، فهذا تخصيص ،يبعد القصير والضخم والنحيف عن دائرة السؤال ،مع ذلك قد ترى أكثر من شخص يكون بهذه الصفة ،لكن عندما يضيف إلى ذلك فيقول صبيح الوجه وصِفة عينه كذا ،وأنفه صفته كذا ،إلى أن يصل إلى النقطة الأخيرة فيذكر اسمه فلان بن فلان فإلى هنا انحصر الطلب في شخص معين .
فعندما قالت الآية ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾ فهنا لم يحصل القيد كما ذكرنا لأن كل مؤمن ملتزم بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لكن بعد أن قالت ﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ انحصر في شخص معين أو في أشخاص معينين لهم الولاية المطلقة بعد النبي صلى الله عليه وآله.
هذا المؤمن الذي أقام الصلاة وأعطى الزكاة وهو راكع له وجود أو لا ؟هذا الذي يشير له القرآن وينوه به هل له وجود أو أن المسألة ليس لها مِصداق وليس لها حقيقة ؟؟؟ طبعاً لا يمكن أن يقول القرآن شيئا ليس له حقيقة .
إذاً هذا الذي أعطى الزكاة وهو راكع من هو ؟؟
إذا رجعنا إلى كتب الحديث والتفاسير ،و لِمَن كتب في أسباب النزول ومن كتب في التفسير و سألنا تلك الكتب واستنطقناها ،وقلنا لها فيمن نزلت الآية ؟؟ إذا رجعنا إلى التفسير الكبير للفخر الرازي المعروف بمفاتيح الغيب ،وإلى الدر المنثور للسيوطي في التفسير بالمأثور ،وإلى الكشاف للزمخشري ،وكذلك لأسباب النزول للواحدي ،والكثير الكثير ،حتى تفسير الطبري أيضا ،والكثير من التفاسير وكتب الحديث فستقول لك تلك المصادر الموثوقة أن الآية نازلة في علي بن أبي طالب عليه السلام.
ويذكرون قصة للنزول مؤداها "أنه في يوم من الأيام دخل سائلٌ المسجد وسأل فلم يعطه أحدا شيئا وهمَّ بالخروج وهو متأثر والإمام علي عليه السلام يصلي وقد وصل إلى الركوع فأشار إليه أن خذ ، والخاتم يلوح في خنصره فجاء السائل وأخذ الخاتم من خنصر علي بن أبي طالب عليه السلام" وعلى أثر ذلك نزلت الآية الكريمة.
وقد نظم في هذا المعنى حسان بن ثابت ،إنما للأسف هذا الشعر وغيره مما قاله في علي بن أبي طالب عليه السلام لا تجد له أي أثر في ديوان حسان المطبوع حاليا ، لكن عند الرجوع إلى المصادر الأخرى تجدها حفظت لنا هذا الشعر القيم
مـن ذا بـخاتمـه تصـدق راكـعاً **** وأسـره في نفـسه إسـرارا
مـن كان بات على فراش محمد **** ومحمدٌ أسري يَؤمُّ الغـار
من كان في القرآن سمّى مؤمناً **** في تسع آيات تلين غزارا
يقول حسان من هو الذي تصدق راكعا ؟هل تريد أن تعرفه ؟ذاك الذي بات على فراش محمد صلى الله عليه وآله وهو خارج يقصد الغار ، من هو هذا الذي بات على فراش محمد صلى الله عليه وآله ؟قال :اسأل القرآن عنه ،استنطق آي القرآن ،فقد نعته القرآن في تسع مواطن بأنه مؤمن ، في تسع آياتٍ نَعَتَ الله عليا عليه السلام بالإيمان ،في تسع آياتٍ سمي عليه السلام مؤمناً ،صلى الله على أبي الحسن .
قال تعالى ﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾ ال عمران 61 ،هذه آية المباهلة.
من أخرج النبي صلى الله عليه وآله يُمَثِلُ الأبناء الحسن والحسين عليهما السلام ، ومن أخرج يُمَثِلُ النساء الصديقة الزهراء عليها السلام ،ومن أخرج يُمَثِلُ نفسه هل هناك أحد يقول أنه غير علي بن أبي طالب عليه السلام. لا أحد يقول غير ذلك ،فالذي أخرجه النبي صلى الله عليه وآله ليُمَثِلُ نفسه علي بن أبي طالب عليه السلام ،فهو نفسُ النبي صلى الله عليه وآله بصريح النَّص القرآني ،وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز الفصل ما بين الرجل ونفسه ،و الإمام علي عليه السلام بناءاً على هذا شريك النبي صلى الله عليه وآله في الخصائص و المميزات ،إلا ما استثنته النصوص ،وهو الأولى بمقامه ،ومن هو أولى منه ؟؟!
فمِن ناحية ، القرآن يُعَرِفَهُ بأنه صاحب الولاية المطلقة التي هي للرسول صلى الله علي وآله ،بلا فصل ولا قيد ، الولاية التي أعطاها الله للنبي صلى الله علي وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام.
ومن ناحية ٍ أخرى ، ينعته بأنه نفس النبي صلى الله عليه وآله ،فأيُ صراحة تُماثل هذه الصراحة.
أيضا إذا رجعنا إلى قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ المائدة 67 ، واستنبطنا كتب التفسير والحديث واستنطقناها وسألناها ،في ماذا نزلت ؟هذه الآية وفي أي مناسبة ؟ فستقول هذه الكتب أنها نزلت في غدير خم ،عندما أشار النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام ، وبعد أن استخبرهم واستعلمهم واستنطقهم ألست أولى بكم من أنفسكم ،قالوا بلى فقالها على السبق من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وادر الحق معه حيثما دار.
ولا يمكن الإلمام في هذا الوقت القصير بأكثر من هذا.
أما إذا رجعنا إلى السنة المقدسة فلدينا الكثير الكثير من النصوص في علي بن ابي طالب والأئمة عليهم السلام من بعده بعضها صريحة وبعضها بالإشارة.
مثلا النبي صلى الله عليه وآله يقول " أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ " " أَعْلَمَكُمْ عَلِيٌّ " ويقول " أَنَا مَدِيْنَةُ العِلْم وَعَلِيٌ بَابُهَا " فإذا كان كذلك فمَنْ الذي يجب أن يُقدَّم غيرُ صاحِب الكفاءة والأهلية والقابلية والاستعداد ،وإذا كان عليٌ عليه السلام هو الأقضى والأعلم نتيجة لذلك يكون هو الأكفأ و الأكثر استعدادا.
وكذلك توجد نصوص صريحة تدل على النص فالنبي صلى الله علي وآله نَصَّ على شخص الخليفة والإمام منذ أول ساعة من ساعات التبليغ ، ومِن يوم الإنذار في دار أبي طالب. فإذا كان عندكم استعداد وتحبون أن تتطلعوا وما أحسن أن تتطلعوا ، فستجدوا الحديث واردا في الكثير من المصادر منها: المجلد الثاني الجزء الثاني من تاريخ الطبري ، والجزء الثاني من الكامل لابن الأثير،و ارجعوا الى ما يتعلق بشرح الخطبة المعروفة بالقاصعة في شرح نهج البلاغة للمعتزلي ،وكذلك لمن يملك كتاب حياة محمد لمحمد حسين هيكل على شرط الطبعة الأولى لأن الطبعات الأخيرة حذف منها هذا الحديث ،وأيضا الحديث موجود في الصواعق المحرقة.
أنقل لكم مختصر الحديث
أن أول من يؤمن بي ويؤازرني وينصرني أجعله وصيي وخليفتي يقضي ديني وينجز عداتي فما قام إلا علي وهو أصغر القوم سناً فقال لهم بعد ثلاث هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم يقضي ديني وينجز عداتي
الحديث بهذا النص هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم وهذا الذي نقوله ونعتقده.
ونأتي إلى نصٍّ آخر صريح ،وقد تكفلت به موسوعات الحديث " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " اذاً منزلة علي عليه السلام مِنَ النبي صلى الله عليه وآله كمنزلة هارون مِنْ موسى ،فما هي هذه المنزلة ؟ نرجع إلى القرآن الكريم قال تعالى ﴿ وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾ طه 29 – 32 ، وقال تعالى ﴿ وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ﴾ الاعراف 142، فهو أخوه وشريكه ووزيره وهو خليفته بنَصِّ القرآن ،وإذا كانت منزلة علي عليه السلام مِنَ النبي صلى الله عليه وآله منزلة هارون مِنْ موسى فهو أخٌ ووزيرٌ وخليفةٌ وشريكٌ في الخصائص والمميزات إلا ما استثنى النَّص " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي "
وإذا ما رجعنا إلى نص الغدير ففيه الشفاء وفيه الكفاية حيث أعلنها النبي صلى الله عليه وآله ،ونص الغدير لم يخفى على أحد ،الرسول صلى الله عليه وآله يعلنها بوضوح ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا بلى فقالها على السبق من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وادر الحق معه حيثما دار.
هذا النص لم يخفى على أحد اطلاقا.
ارجع للتاريخ والتفسير ولموسوعات الحديث وارجع إلى الأدب واطلع على النَّص ،وجزى الله الحجة الشيخ عبد الحسين الأميني طيب الله ثراه خير الجزاء عن أهل بيت نبيه عليهم السلام.
فموسوعة الغدير التي أبرزها الأميني والمطبوع منها فقط أحد عشر مجلدا، تناول فيها الأدباء حتى حسان بن ثابت نظم فيها
يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخم **** وأسمع بالرسول منادياً
وحتى عمر بن العاص أيضا يعتبر من شعراء الغدير وقصيدته المعروفة بالجلجلية
معـــــــاوية الفضــــل لا تنس لي *** وعن سبيل الحـــق لا تعـــــدل
نســـــــيت إحتـــــيالي فــــي جُلّق *** على أهلها يوم لـِــــبْسِ الحلي
وقــــد أقبلوا زُمــــــرا يهـــرعون *** مهاليع كالبــــــــــقر الجـُــــــفَّل
وقــــولي لهــــم إن فرض الصلاة *** بغير وجودك لــــــم تقــــــــــبل
نســــيت محــــــاورة الأشـــــعري *** ونحــــــن علـــــــى دومة الجدل
ألــــــــينُ فيطمــــــع فــي جانبــي *** وسهمــــــي قد عاب في المفصل
خلــــــــعت الخــــــلافة ـــمن حيدر *** كخلع النعــــــال مـــــــن الأرجل
وألبســــــتها لــــــك لـــــما عجزت *** كلبـــــس الخواتم فــــــي الأنمل
إلى أن يقول له
نصـــــرناك مـــن جهلنا يا أبن هند *** علـــــى المــــــلأ الأعظم الأفضل
وحيث رفعــــــناك فــــوق الرؤوس *** نزلـــــــنا إلـــــى أســــــفل الأسفل
وكـــم قد سمعنا من المــــــصطفى *** وصــــــــايا مخصــــــصة في علي
وفـــــي يـــــوم خـــــــم رقى منبرا *** يبلــــــــغ والـــــــركب لــــم يرحل
هذه قصيدة عصماء فأي دليلٍ يُماثل هذا ؟... المسألة واضحة ،فالرسول صلى الله عليه وآله ظل يَنصُّ على علي وأبنائه عليهم السلام حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ،نعم .. حتى وهو على فراش المرض يلفظ أنفاسه وهو يقول "إني تارك فيكم الثقلين كتاب ربي وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما " شيء سمعه الناس من النبي صلى الله عليه وآله مرارا وتكرارا ،ولكن ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ﴾ النمل 14 ،
وأؤكد لك أن النبي صلى الله عليه وآله ما اكتفى بهذه النصوص فقط ،بل عَمِلَ على أن يبقى الجو مناسبا ،وأن تبقى المدينة خالية من عناصر الشغب بعد وفاته .
فما الغاية من بعث أسامة ؟هذا الجيش الذي جهزه النبي صلى الله عليه وآله وطلب منه أن يذهب إلى مؤته في حدود الشام ،ما قصده صلى الله عليه وآله من هذا إلا أن تبق المدينة خالية ،وأن يتمكن علي بن أبي طالب عليه السلام مِن النهوض بالأمر بلا منازع ، لكن هذا الشيء ما تم لرسول الله صلى الله عليه وآله مع تأكيده الشديد على تنفيذ جيش أسامة "نَّفِذوا بعث أسامة ،لعن الله من تخلف عنه" ، فلا النصوص ولا المحاولات التي بذلها النبي صلى الله عليه وآله جعلت كل هؤلاء الناس أن يستجيبوا له صلى الله عليه وآله وما اعظمها من ساعة تلك التي فارق فيها النبي صلى الله عليه وآله الحياة ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ البقرة 156
نسأل الله أن يثبتنا على ولاية أمير المؤمنين وأبناءه الطاهرين وأن يجعلنا معهم في المحيى والممات إن شاء الله.




