الأمانة في نقل التاريخ

محاضرة للخطيب الحسيني خادم أهل البيت عليهم السلام في 13 محرم 1419 في حسينية السنان بالقطيف بعنوان الأمانة في نقل التاريخ

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ *   القلم 1 – 3

الآيات المباركة وهي بداية أو مفتتح سورة كريمة عرفت بسورة القلم يدور الحديث فيها حول بعض مظاهر شخصية الرسول محمد صلى الله عليه واله وسلم وبالذات ما يتصل بدعوته المباركة ،دعوة الخير والحق والصدق .

يبدأ الحديث بالقسم ،و القسم يُستخدم في القرآن للتأكيد على حقيقة مهمة ،والحقيقة هنا تدور حول أمر يرتبط بالرسول صلى الله عليه واله وسلم حيث تقول الآية (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) ما نافية والمخاطب سيد الانبياء محمد صلى الله عليه واله وسلم ،(بنعمة ربك) الباء هنا إما أن تكون للسبب يعني لسبب حصولك على نعمة ربك أو أن الباء كما يرى بعض المفسرين مُقسم بها أيضاً وهي أحد حروف القسم فيكون المعنى ما أنت ونعمة ربك .

يتضح مما مضى أن الآية تنفي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم ما نبزه به الحاقدون الذين هدفهم تشويه شخصية الدعاة.

والجدير بالذكر أن النبي صلى الله عليه وآله ليس الوحيد الذي تعرض لمثل هذا فلو تابعنا مسيرة الدعاة الى الله مسيرة الناس الخيرين الأبرار الذين نهضوا من أجل إحياء الحق وإماتة الباطل ومنذ أقدم العصور وحتى الآن فإننا نجد أن هذه المسيرة ليست مريحة وطريقها غير معبد أو مفروش بالزهور فهي مسيرة متعبة و مضنية مضافاً إلى أنها طويلة وشاقة، وطريقها مليء بالعراقيل والمتاعب . وإن أول ما يستهدفه خصومهم هو تشويه شخصيتهم أمام الناس

 لأن الدعوة حتى تنفذ إلى الأعماق ويُقبل عليها الناس ويتلقوها بالقبول تحتاج إلى كثير من الوسائل, و في طليعتها عظمة وتميز الداعية، وكونه متصفا بالخير والكمال، ولهذا لم يبعث الله نبيا إلا وهو في قمة المجد و الكمال. بل ومصانا من العيوب الخَلقية، فالله عز وجل يصون الدعاة حتى من العيوب الخَلقية - طبعا الأصلية منها - كتشويه يأتي منذ الولادة فهذا لا يتفق حصوله لنبي من الانبياء ولا لحجة من الحجج عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام ، نعم قد يطرأ العيب الخَلقي لاحقا ولا مانع من ذلك كما حصل لنبي الله أيوب أو لنبي الله يعقوب عليهما السلام فأيوب عليه السلام تعرض للكثير من البلايا ويعقوب عليه السلام كذلك فقد قال تعالى عنه ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌيوسف (84) ،لكن هذه أمور طارئة.

قد يسأل لماذا براءتهم من العيوب الخَلقية؟ فنقول حتى لا يجد الحاقد وسيلة للعيب والنيل منهم.

ومن الوسائل التي هيأها الله وجعلها في الدعاة له مسألة طهر الآباء والأمهات فهذه من اللابديات والأمورالضرورية قال تعالى ﴿ وَتَوكّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرّحِيمِ ‏‏* الّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ﴾الشعراء( 217-219) ،لأنه وإن كان الإنسان يتحمل مسؤولية نفسه حيث يقول تعالى ﴿ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾الزمر( 7)  ،لكن تلك الشخصية التي تتولى المناصب القيادية لا بد أن تكون سليمة و بعيدة عن كل المدنسات والملوثات ،حتى وإن كانت في نطاق محدود مثلا كإمامة الجماعة، حيث أنه لو تقدم أحدهم لإمامة الجماعة,  فهذه الإمامة في هذا المجال الخاص لا بد أن لا نتساهل فيها. فالإمام واسطة بينك وبين الله ويتحمل عنك أمانة كبرى وعظيمة فلا بد أن يكون على مستوى المسؤولية ،ومن جملة الصفات التي يجب توفرها في شخص الإمام بالإضافة إلى العدالة والمعرفة طهارة المولد. وقد طرأت أفكار دخيلة على الاسلام  مؤخرا، دعت إلى التساهل في كثير من الأحكام ،ومن جملة ذلك إمامة صلاة الجماعة ،حيث قالوا (صلوا خلف كل بر وفاجر)، وهذا كما ذكرنا فكر دخيل وليس أصيلا.

خلاصة الكلام أن أصحاب المناصب القيادية دائما ما تكون أشخاصهم بعيدة عن الملوثات والمدنسات ،والله سبحانه وتعالى لم يبعث نبيا ولم يعين وصيا إلا وهو في قمة المجد والكمال.

كما وضحت الآيات مطلع البحث فإن خصوم الدعوة وخصوم الناس الخيرين يركزون في عدائهم على عرقلة مسيرة الدعوة وهي تشويه شخصية الدعاة، لأن سريان الدعوة وتأثيرها على الناس يكون فاعلا إذا كان الداعية على مستوى من الثقة والأمانة. فإذا شوهت شخصيته أمام الناس فإنهم لن يقبلوا تعاليمه ولن يتقبلوا دعوته.

لكن محاولاتهم التي يقومون بها سواء فيما غبر من الزمن أو الآن لا تحقق هدفها لأن الحق دائما منصور والحق يعلو ولا يعلى عليه ومن كان مع الله كان الله معه. وما الآيات المباركة التي افتتحنا بها الحديث إلا لتؤكد على هذه الحقيقة وتنزه شخص النبي صلى الله عليه وآله عما حاول الحاقدون عمله من تشويه شخصه صلى الله عليه آله لإسقاط الدعوة.

القرآن يقول له مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ أي بسبب نعمة ربك أو وحق نعمة ربك.

عندما نتساءل ما هي هذه النعمة؟ أهي القران؟ أم هي الهداية؟ نجد أن هذا مفهوم عام مصاديقه كثيرة ومحمد صلى الله عليه واله حصل على كل خير من بارئه سبحانه فأي خير يُذكر، يعتبر صلى الله عليه واله أصله .

 

يلاحظ مما تناولته الآيات المباركة أنها افتتحت بالقسم للتأكيد على حقيقة مهمة ألا وهي سلامة النبي صلى الله عليه واله مما حاول المغرضون أن يشوهوا شخصه ،واُستخدم لتأكيد تلك الحقيقة القسم بالقلم وبتسطير القلم. (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)

نلاحظ كذلك أن أول آيات القرآن نزولاً هي تلك التي اشادت بالقلم والعلم ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ *﴾ العلق(1- 5)

فلأهمية القلم ذُكر في القران في أكثر من موضع بل في أول آيات القران نزولا وكذلك العلم وخصصت سورة باسم القلم وهي سورة مكية.

سورة القلم نزلت لتشييد وتمجيد القلم في وقت نجد فيه أم القرى مكة والتي تمثل بالنسبة للمجتمع العربي في ذلك الوقت القداسة والعبادة ومركز الاقتصاد ويؤمها الناس وبالذات المجتمع العربي الذي لا يجيد القراءة والكتابة فيه إلا عدد ضئيل لا يتعدى العشرين ونجد في ذلك الزمان أن الكمال كان محصوراً في أمور ثلاث - السباحة والرماية مع القراءة والكتابة- فمن يملك هذه الأمور يعتبر إنسانا كاملا .

وفي مثل هذا المجتمع الذي لا يبدو فيه للقلم ذلك الأثر تأتي الإشادة من القرآن بالقلم وبما يسطره القلم وهذه نعمة كبرى من نعم الله على الانسان فلو نتتبع عهود البشرية الطويلة من بدء حياة الانسان إلى الآن ،من عهد ما قبل التاريخ وعهد ما بعد التاريخ ما بقي يذكر منها إلا ما خطه القلم. فاليوم الذي استطاع فيه الإنسان أن يدون الاحداث ويسطر الآثار كأنما استطاع أن يحفظ للبشرية ماضيها . الفترة التي كانت قبل التاريخ هي الفترة التي لا يوجد للقلم فيها أثر لذلك لا ترى من آثارهم الكثير. فلذلك يعد من آثار القلم وعطاء من معطياته أنه يحفظ لنا آثارنا وتراثنا وماضينا.

طبعا نحن بحاجة إلى أن نرتبط ونطلع على آثارنا وماضينا وبحاجة إلى وسيلة تحفظ للبشرية الحضارات التي مرت على العصور. لكن كيف تستفيد البشرية من هذا الماضي أو من الحضارات السابقة ؟ نقول لتحصل هذه الفائدة لا بد من القلم وأمانة تصحب الأيدي التي تلزم القلم لتكتب بإخلاص، حتى إذا ما أردنا الإطلاع على التاريخ الذي هو عبارة عن أحداث ومواقف فيها إيجابيات وسلبيات نكون مستطيعين أن نستفيد من تلك الإيجابيات وأن نتجنب تلك السلبيات. أما اذا حصل التحريف فهل تجني البشرية الثمار المرجوة من القلم ؟! بالطبع لا وللأسف وبصريح العبارة إننا عندما نرجع للتاريخ نجد فيه الكم الهائل من العجائب والانحرافات.

على سبيل المثال :

في حوادث سنة 11هـ ،أي الاحداث التي تلت وفاة سيد الانبياء محمد صلى الله عليه واله ،وفيما يُعرف بيوم البِطاح ،وهي معركة حدثت مع بني يربوع الذين كان يرأسهم مالك بن نويرة ، وهذه المعركة تعد  أحد حروب الردة الكثيرة في التاريخ. وسأنقل لك العبارة عن شيخ المؤرخين أبو جعفر الطبري من كتابه تاريخ الأمم والملوك وأترك لك الحكم والتمييز. يذكر الطبري أن القوم وبعد حز الرؤوس أثفوا بها القدور،أي وضعت الرؤوس ونصبت عليها القدور وأُشعلت النار تحت القدور و احترقت الرؤوس كلها إلا رأس مالك بن نويرة لم يحترق ،ويعلل الطبري ذلك لأنه كان كثير الشعر.

فهل هذا كلام !؟ يعني كأنما يريد أن يقول أن النار لا تحترم في الإنسان إلا شعره ولهذا بقي الرأس لم يحترق فهل هذه حقيقة !؟ على العموم نذكر الحادثة ونترك الحكم للغير.

لذلك يجب على كل من يكتب في التاريخ -أياً كان مجال كتابته سواء في الحوادث التي مرت أو الآثار أو غير ذلك- تحري الصدق والأمانة بحيث يَنقل للأجيال ما هو حق ،لأنه في يوم من الأيام سوف يحاكم هذا الكاتب على كتاباته. ليس فقط مسالة حساب الآخرة و يوم القيامة ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ الإسراء(36(  ،بل إن ذهنيات و مدارك الناس ستتفتح وتسمو وتناقش الكتابات و النقول وستميز ما هو الصواب منها وما هو الخطأ.

الآن هذه النهضة الحسينية العملاقة ذات العطاء الضخم العميق وذات الخير الوفير انظر كيف يصورها بعض الحاقدين وكيف يصور لنا موقف سيد الشهداء عليه السلام و كيف يلتمس المبررات والمصوبات ليزيد بن معاوية. يا الله ويا للعجب وما عشت اراك الدهر عجبا ،تجد شخصا يقف موقف الخصومة من سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام وهو سبط رسول الله صلى الله عليه واله وريحانته وسيد شباب أهل الجنة.

فلو افترضنا أننا لا نعرف عن الإمام الحسين عليه السلام إلا أن النبي صلى الله عليه واله تلقاه واحتضنه وكان ينمو على صدره ويتغذى من كفه ،وكذلك لو افترضنا أننا لا نعرف عن يزيد بن معاوية إلا أنه ابن ميسون وأنه ابن اكلة الاكباد. أليست هذه المعرفة كافية لتمييز الحق؟ ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ المجادلة 22

إن وسيلة من وسائل التمييز بين الإيمان والكفر هي الحب والبغض ،التولي و التبري ، فنحن نحب في الله ونبغض في الله ، نتولى ولي الله ونعادي عدو الله. ولا يتم لنا الإيمان إلا إذا والينا ولي الله وبرأنا من عدو الله بصريح القرآن ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ال عمران 28، فالمؤمن يوالي المؤمن ويعادي الكافر ﴿ يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَاء الممتحنة 1، فإذا رأينا من يعادي ولي الله ويوالي عدو الله كيف نحكم عليه؟

لكن مع ذلك التصريح القرآني، أنظر إلى البعض كيف يجرد لسانه ويجرد قلمه لكي يحيط هذه النهضة المباركة بالغموض، وكيف يحاول تشويهها و إبرازها على غير حقيقتها ، وكيف يريد أن يلتمس المبررات لخصم الحسين عليه السلام يزيد بن معاوية.

على كل حال المرء مع من أحب شاء أم أبى، من أحب حجراً حشره الله معه، ومن أحب عمل قوم أُشرك في عملهم، نحن مع الحسين مع جده وأبيه وأمه وأخيه، نحيا محياهم ونموت مماتهم، ونرد موردهم إن شاء الله، وننهل من حوضهم، كما نهلنا من هذا النبع الصافي الزلال في هذه الدنيا نأمل أن يوصلنا هذا النهل الذي نهلناه إلى أن نرد ذلك الحوض ونشرب من ذاك الزلال ،نسأل الله أن يثبتنا وصلى الله على الحسين.

سلام عليك أبا الشهداء سلام عليك يوم استقبلت الحياة وقد ولدتك الطاهرة البتول الزهراء عليها السلام في بيت الطهر والقداسة في مهبط الوحي، سلام عليك أبا الشهداء وأنت تلفظ النفس الغالية قربانا من أجل ربك في سبيل مبادئك، سلام عليك أبا الشهداء وأنت ترد القيامة ولكن شافعاً مشفعاً ،كما كنت يا بن النبي صلى الله عليه واله، كما كنت يا أبا عبد الله منارا يضيء ذكرك الطريق للسالكين ستبقى الشفيع يوم القيامة.

صلى الله على الحسين وأسفاً على الحسين ،كم هي تلك المحاولات التي باءت بالفشل. الأقلام والألسن ،السيوف والرماح والخيول كلها سُخِرت في سبيل القضاء على الحسين عليه السلام ، لكن أي شيء من ذلك لم ينجح، فالحسين عليه السلام بقي وسيبقى وآخر محاولة لعمر بن سعد وعبيد الله بن زياد وشمر الضباب وأمثالهم ،وليس آخر محاولة للطغاة، كانت ترك الحسين عليه السلام على وجه الأرض جثة بلا رأس ،تسفي عليه السوافي تزوره وحوش الفلوات ، فلماذا دفن ابن سعد قتلاه بعد أن صلى عليهم وترك حسيناً وأصحابه دون مواراة ؟! لم يكن إلا لتنهب الوحوش تلك الجسوم وتنهيها. وقد شهروا الرأس للإهانة، ولكن أنظر للآثار التي بقيت للحسين عليه السلام ونتيجة ذلك التعطيل والترك بقيت كربلاء ملاذا وبقيت تربتها شفاء وتلك القبة بقيت باب من أبواب الله صلى الله على الحسين

يا ميــتا ترك الالـــــــباب حــائـــرة                              وبالــعراء ثـــلاثا جـــســمه تــــركا

تأتي الوحوش له ليلا مسلمة                             والقوم تجري نهارا فوقه الرمكا

اضف هذا الموضوع الى: