محاضرة للخطيب الحسيني خادم أهل البيت عليهم السلام الشيخ
عبد الرسول البصارة رحمه الله في وفاة الإمام السجاد
عام 1407هـ
بعنوان الكون مع الصادقين
قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين (سورة التوبة 119 ..
الآية المباركة اشتملت على نداء موجه للمؤمنين -نداء خاص- ولكنه نداء تفضيل وغالبا ما يكون النداء المشتمل على بيان بعض الأوامر أو النواهي موجها للمؤمنين، لا لكون غير المؤمنين معفيا عن المسؤولية وإلا لو كان غيرهم معفيا عن المسؤولية لأصبح باب راحة لهم.....إنما تخصيصهم بالنداء، لأجل استعدادهم للإمتثال.
الإيمان هو شرط في صحة كل الأعمال، التي قصد التقرب إلى الله عزوجل شرط من شروط صحتها.ولا يخفى أن الأعمال كيفما كانت -أفعال الإنسان أو تروك الإنسان- في الواقع لا تنفع إلا إذا كان المقصود منها وجه الله عز وجل .تصور حتى بالنسبة إلى الأعمال مثلا قضية الصلاة و الصوم و الصدقه والحج و المسعى وغيرها. وكذلك حتى التروك مثل الكذب و الزنا و شرب الخمر وغيرها لا تكون ناجحة إلا إذا كان المقصود منها وجه الله عزوجل .
صحيح أن الإنسان عندما يلتزم بالصدق كيفما كان القصد وكيفما كانت الغاية لا يلحقه إثم لأنه لم يكذب، مثلا إذا الإنسان ترك محرم من المحرمات كالزنا أو غير ذلك، ارتاح من الإثم لأنه لم يرتكب محرما، لكن إذا كان الباعث من العفة أمرا آخر غير وجه الله لا يضمن استمرار بقائها، لماذا؟ لو فرضنا أن الإنسان ترك محرما من المحرمات بقصد الحفاظ مثلا على بقاء وزنه الثقيل وسمعته الطيبة بين الناس، فعندما يخرج إلى مكان آخر ما بينه وبين أهل ذلك المكان ارتباط ولا بينه وبينهم معرفة ولا يوجد محذور يخشاه. فحين ذلك ذهب الذي كان يحذر منه ويخشاه إن أراد التبدل أو التحلل. و لكن إذا كان الباعث على الترك هو قصد رضا الله عز وجل، ترك القبيح لأنه قبيح -وهو الأصل- وقصد به وجه الله سبحانه وتعالى، هنا يضمن بقاء العفة و استمرارها. مادام الإنسان يراعي الله بعفته. الذي يطلع عليه في بلده يطلع عليه في كل مكان، و الله موجود في كل مكان فمثل ما قصد الله وهو في مكانه وهو في بلده يقصد الله وهو في كل مكان، الإمام زين العابدين سلام الله عليه في دعائه عقيب ركعة الوتر من صلاة الليل يقول " أناجيك ياموجود في كل مكان لعلك تسمع ندائي فقد عظم جرمي وقل حيائي "..
بعد ذلك الآية الكريمة اشتملت على أمرين مهمين مضافا إلى النداء وهما: تقوى الله عز وجل )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ). و الكون مع الصادقين (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين) . المراد من التقوى هو أن يطيع الإنسان خالقه فيما أمر وفيما نهى كما يعرفها الإمام الصادق عليه السلام "التقوى أن يراك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك". والكون مع الصادقين... ماهي المعية المقصودة بالكون مع الصادقين؟ هنا يطرح إشكال لأن الصادقين نفرضهم مجموعه من الناس أو واحدا من الناس في زمن معين والحال أن الأمر موجه للجميع لا يوجد فيه استثناء. يعني الخطاب للمؤمنين ككل يلزمهم مضافا إلى الإلتزام بالتقوى يلزمهم الكون مع الصادقين ..فهل هذه المعية المقصود منها أن نكون مع الصادقين أينما حلو وأينما ارتحلوا ؟ يعني نجلس معهم ونمشي معهم و نظل معهم دائماً وأبداً؟... لا إنما المعية المقصودة هي معية عمل معية متابعة.... أن نكون تبعا للصادقين.
وفي الآية معنى لطيف يمكن للإنسان أن يتأمله حتى يخرج منه بنتيجة وهو أن الأمر الذي يلزمنا بأن نكون مع الصادقين كالأمر الذي يلزمنا بالإلتزام بالتقوى، الإلتزام بالتقوى هذا ليس خاضعا لمكان أو خاضعا لزمان لا هذا أمر إلزامي يلزم المكلفين دائماً وأبداً. فالأمر الذي يلزمنا بالتقوى ميسور و لو كان غير متيسر، لن يأمرنا الله به قال تعالى:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مٍنْ حَرَجٍ) لم يكلف الطاعة إلا دون الوسع والطاقة. فبإمكان الإنسان أن يلتزم بالتقوى في كل مكان و زمان ولهذا أمرنا الله بالإلتزام بها. كذلك الكون مع الصادقين لايخص مكانا ولا يخص زمانا معينا, ليس في جيل معين يخاطب الله أهله ويأمرهم بالكون مع الصادقين أو مكان معين يخاطب أهله ويلزمهم بالكون مع الصادقين، بل الكون مع الصادقين يجب استمراره.
لما قال الله عزوجل صلوا هل يريد جيلا معينا يلزمهم بالصلاة وجيلا آخر لا يلزمهم؟ أو لما قال صوموا أو حجوا أو زكوا أو اجتنبوا شيء ما أوافعلوا شيء ما، هل هذا خطاب لجيل معين فقط؟ بالطبع لا حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة. هذه التعاليم سارية المفعول ولابد أن الناس يستمرون عليها من حين بلغها سيد الأنبياء وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وبالتالي يلزم تيسر إتباع الصادق واستمراره في كل زمان وفي كل مكان, بحيث يظل للمكلفين الكون مع الصادقين أمرا ميسورا. ويلزم ايضا أن يكون الصدق ديدنا لهم -صدق في القول والفعل- وبكل ما للكلمة معنا يقال. و لهذا نحن نقول وجود المعصوم في كل زمان أمر لابد منه. لأننا بحاجة إلى إرشاد المعصوم وتوجيهه دائماً، حيث أنه لايوجد شيء عندنا يحدث الإطمئنان من أن عملنا بالتعاليم السماوية و بالأحكام الشرعية كما هو المراد إلا إذا كانت صادرة عن معصوم .
مصادر التشريع التي يعتمدها المسلمون خمسة مصادر هي كالتالي: القرآن و السنة و العقل و الإجماع و القياس، ننتطرق الى كل واحدة منها:
المصدر الأول : القرآن.
صحيح أن في القرآن تبيان لكل شيء وهو كتاب نور وهدى أنزله الله ليكون هداية للناس إلا أن العمل به وحده غير متيسر، بل لابد من أن يكون منضماً إلى غيره في العمل، على سبيل المثال: هل نستطيع أن نصلي ونفهم الصلاة من القرآن؟ بالطبع لا . القرآن قال(َأقـِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) لا أكثر.
مورد آخر: القرآن يقول(وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) آتوا حقه يوم حصاده ما هو هذا الحق؟مقدار هذا الحق؟ هل العشر مطلوب منا ؟ أو نصف العشر؟ أو أقل أو أكثر؟ و هل يوم حصاده شامل لكل أنواع الزرع؟ و ما هو وقت الحصاد أو نوعيته و مقداره؟ طبعا القرآن لم يبين، القرآن أشار إلى أن هناك حقا يلزمنا وقت الحصاد نؤديه، لكن ماهو مقداره أو نوعه؟ لذلك نحتاج فيه إلى وسيلة أخرى تبينه. وما أكثر الموارد..... القرآن فيه الناسخ وفيه المنسوخ ونحتاج من يعرف لنا أن هذه الآية ناسخه أو هذه الآية منسوخة, القرآن فيه المحكم وفيه المتشابه ونحتاج لمن يعرفنا المتشابه. ليس فقط في مجال العمل حتى في مجال الاعتقادات، مثلا عندما نأتي إلى هذه الآية (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ما هو معنى هذا الاستواء؟
أو مثلاً نقرأ ( يد الله فوق أيديهم )، ( وجوه يومئذ ناظره إلى ربها ناظره) هذه آيات تحتاج إلى تأويل, لا نأخذها حسب ظواهرها، لأنه إذا أخذناها بحسب ما يستفاد من ظواهرها يصطدم بعقيدة من عقائدنا و هو التوحيد فلا بد أن نضطر للتأويل.
الله يتغمده بالرحمة السيد الحكيم قدس الله تربته.....أحد فقهاء إخوانا السنة طرح عليه هذا السؤال يقول له: انتم الشيعة تقولون بتأويل القرآن. فأجاب عليه السيد : بعض الآيات نحتاج فيها إلى التأويل. فقال له السائل : كيف؟ فأجاب السيد : بسم الله الرحمن الرحيم (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأظل سبيلاً )...... واتفاقا نفس السائل أعمى..... قال له طيب هذه الآية كيف نحملها , نحملها على أن الذي يكون أعمى في الدنيا, يظل أعمى في الآخرة فهنا لابد أن نضطر إلى التأويل. فالغرض أن الاعتماد على القرآن وحده أمر غير ممكن.
المصدر الثاني : السنة.
عندما نأتي للسنة، ما هو المقصود بها؟ السنة المقصود منها عند إخواننا السنة هي مجموعة الأحاديث التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وآله. هؤلاء الرواة فيهم الإنسان القوي وفيهم الإنسان الضعيف, فيهم الإنسان المؤمن العدل الثقة كسلمان وأبي ذر وأمثالهما وفيهم المنافق كالمغيرة ابن شعبه وعمرو ابن العاص وسمرة ابن جندب وأمثالهم , بالإ ضافة إلى ذلك إذا جئنا للروايات نجد أن بعضها تتعارض مع بعض، و نجد أيضا أن بعضها تحتاج إلى تأويل. فالاعتماد عليها وحدها على ماترى من اختلاف رواتها واختلاف رواياتها وتعارضها متناً ومعنى يبقى الاعتماد عليها وحدها أمر غير ممكن .
المصدر الثالث : العقل.
العقل هو من ما امتاز به الإنسان وبه نال الشرف على غيره من أنواع الأحياء التي تعيش معه على سطح هذا الكوكب, والعقل مع أن العلماء مختلفون في ماهيته؟ يعني كيف صلته بالانسان وكيف صلة الانسان به، واين مكانته من الانسان وماهي حقيقته؟ في الواقع الماهية لا يعرفها إلا واهب العقل اللي وهب العقل للإنسان وبه شرفه. والعقل على أية حال هو وسيله للإدراك وهو بلا إشكال رسول باطني, والإنسان يستطيع أن يميز به مابين الحسن والقبيح إلا أن العقل ليس مدركا لكل شيء. فمثلا لو جاء الإنسان يستعمل عقله ليجد الفرق بين الصلوات الخمس اليومية لماذا الصبح اثنتين؟ و الظهر أربع؟ و المغرب ثلاث؟ لا يستطيع أن يصل إلى نتيجة. ولو جاء يحكم عقله ليدرك الفرق مابين المياه الأربعة أو الخمسة التي تخرج منه ومن مخرج واحد وهي المذي والودي والبول والمني, لماذا بعضها طاهر وبعضها نجس؟ ولماذا واحد من النجس (البول) يكفي أن نطهر محل المخرج فقط و والآخر من النجس (المني) لابد من أن نغتسل غسلا تاما كاملا؟ ماهو الفرق مابين هذا وذاك؟ و لماذا هذا طهارته تتم بهذا الشكل وذاك تتم بذاك الشكل؟ لو حكم الإنسان عقله حتى يموت لا يستطيع أن يصل إلى نتيجة..... لماذا نخرج ليلة العاشر من عرفه بعد غروب الشمس ونذهب إلى مزدلفة و نلتقط تلك الحصيات، وفي صباح يوم العاشر نخرج إلى منى و نرمي حصيات جمرة العقبة. ماهو السر بهذا الحكم؟ لو حكم الانسان عقله لم يصل الانسان الى نتيجة. فالاعتماد على العقل وحده أمر غير متيسر.
المصدر الرابع : الإجماع.
أنا لنا بالإجماع بعد قول الله سبحانه وتعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) وبعد قول الرسول " وستفترق أمتي على 73 فرقه كلهم في النار إلا فرقة واحده " فما دام الرسول يخبر أن الأمة سوف تفترق 73 فرقه يعني كلهم يدعون للتوحيد وكلهم يظهرون الإسلام فأي إجماع بعد هذا؟
المصدر الخامس: القياس
أول من قاس إبليس وأوصله النار، لأنه قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. نظر إلى طين آدم وغفل عن نورانيته فقاس فإذا بقياسه أوصله النار وهكذا القياس ليس مدرك وليس وسيلة للإدراك, وأحكام الله لا تقاس.
مصدر السنة عند الشيعة
السنة عند عامة المسلمين هي عبارة عن مجموعة الأحاديث التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وآله، بخلاف ما عندنا فهي ما صح وروده عن المعصوم قولاً وفعلاً. التفت الى هذا الفرق، السنة عندنا ليست مجموعة الأحاديث التي رواها زيد وعمرو، تشمل المؤمن و المنافق, السنة هي ما صح وروده عن المعصوم قولاً أو فعلاً سواء كان المعصوم رسول الله أو أمير المؤمنين أو جعفر الصادق أو أي إمام من أئمة أهل البيت.
مصدر الإجماع عند الشيعة
أيضا نحن نقول بالإجماع كمصدر من مصادر التشريع لكن الإجماع لا ينعقد عندنا إلا بانضمام صوت المعصوم، و إذا لم ينضم إليه لا يبقى عندنا إجماع. يمكن القول بأن المسأله أجمع عليها علماء الأمة أو اجمع عليها كل أفراد الأمة، يقول العلماء ما يجوز على الواحد يجوز على الاثنين.... صدور الكذب من الإنسان أمر وارد..... فإذا يجوز على أحد الكذب، يجوز على الاثنين. وما يجوز على الاثنين يجوز على الأربعة وما يجوز على الأربعة يجوز على المئات وعلى الألوف حتى الملايين فيبقى الإجماع إذا ما ينضم إلى صوت المعصوم ما يركن اليه؟ لان صوت المعصوم هو الذي يبعث في نفوسنا الثقة والاطمئنان من أن هذه المسألة صحيحة أو أن هذا الحكم كما وافتنا به تعاليم السماء يعني كما وافانا به سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله.
أجل هذه هي المصادر التي عرفتها وهي كما عرفت لابد للناس من وجود المعصوم. فإذا لم يوجد المعصوم في كل زمان، لا توجد وسيلة للإطمئنان، لا يوجد شيء يبعث الثقة في النفوس، من أن الحكم الذي بلغنا هو كما جائنا من قِبل الله سبحانه وتعالى فلهذا القرآن عندنا منضم إلى العترة والعتره منضمة إلى القرآن. فما بلّغ النبي صلى الله عليه وآله وعرّف بأن عترته هم عدل الكتاب فقال "إني أوصيكم بالثقلين كتاب ربي وعترتي " فعرّفهم بأنهم عدل القرآن فتفسير القرآن ومعرفة متشابه القرآن ومحكمه وتأويله وتنزيله لابد أن نأخذه من هذا الطريق وهو ما صح عن المعصوم قولاً أو فعلاً. فوجود المعصوم في كل زمان أمر لابد منه .قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين) ، الذين إتباعهم يبعث الثقة والاطمئنان في النفوس من أننا إذا اتبعناهم و لزمناهم لزمنا الطريق الصحيح و طريق الصواب.
نحن عندما نقول بانه لا بد في كل زمان من وجود معصوم, ليس مجرد كلام, بل هذه حقيقة, لاحظ أئمة الهدى الذين نأتم بهم ونعتقد بلزوم طاعتهم وإتباعهم, عندما نتابع حياة أحدهم نرى قيم ومثل ومبادئ الإسلام تتجسد تماما في شخص ذلك الإمام، فمثلاً إمامنا زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين عليه السلام, الذي كان مجموع حياته 57 سنه منها 23 سنه قبل نهوضه بمهمة الامامه ومنها 34 سنه أيام إمامته، تجد الإسلام كله يتجسد في شخصه من مكارم أخلاقه ومحامد صفاته كان سلام الله عليه يوصل العطاء و المعروف للناس سراً، بحيث إذا أوصل المعروف إلى المستحق يتوارى، لا يظهر شخصه و لا يعرف بنفسه فلربما يسأله ذلك الإنسان من أنت؟ يجيبه (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا ), وقد تحدث أحد معاصريه قال ما فقدنا صدقة السر في المدينة حتى مات علي بن الحسين، وكان من مكارم أخلاقه ومحامد صفاته لايزداد على كثرة الإساءة إلا إحسانا، كان الإمام زين العابدين يتعاهد أحد قرابته دائماً بالصلة بالبر، إذا دخل عليه الإمام يخاطبه ذلك الشخص بذاك المنطق الجافي "جزاك الله خيراً ولا جزا علي بن الحسين خيراً لأنك تحسن صلتي وترعا لي قرابتي من رسول الله أما علي بن الحسين فانه لا يحسن صلتي ولا يرعا لي قرابتي" ويسمع زين العابدين هذا المنطق القاسي الغليظ ولا يمنعه ذلك من مواصلة المعروف والإحسان ويظل يتعاهده بذلك إلى أن توفي زين العابدين. فلما توفي زين العابدين رأى ذاك الشخص أن العمل و الصلة وذاك البر و المعروف انقطع فعرف أن اللذي يتعاهده بالصلة هو الإمام زين العابدين. شتمه إنسان يوما من الأيام في الطريق وبالغ في الشتم والإمام يمشي ولا كأنه يسمع حتى اندفع ذاك وقال إياك اعني قال له الإمام بمنطقه السامي الرفيع وعنك اعرض -أنت تعنيني لكني عنك اعرض- ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) وفي آية أخرى (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا).
من مكارم أخلاقه ومحامد صفاته كان يستقي لضعفه جيرانه وكان سلام الله عليه في يوم الحرة عندما تعرضت المدينة لذاك العمل الإجرامي الكبير من قبل بني أمية قام الإمام بكفالة 400 عائلة. ليس كلهم ذوي رحم وقرابة وليس كلهم يخلصون له في الولاء والمحبة. بل يوجد في هذه العوائل أناس مبغضون...من جملتهم عائلة مروان بن الحكم -هالمروان القذر، هالمروان الجيفة، هالمروان اللذي مواقفه معروفه مع علي وأبناء علي. وإذا به يأتي بعائلته للإمام زين العابدين ويطلب منه أن يكفلها.... وفعلا تبقى عائلة مروان في كفالة الإمام زين العابدين مكرمة مبجلة حتى أنه بعد هذا كلف من يوصلها إلى ينبع بتكريم وتبجيل..... أنظر كيف هذه النفوس العالية الرفيعة، هل يحصل هذا اللون من الفعل والأخلاق عند غير أهل العصمة؟ اللي تحوطهم عناية وتسديد من قبل الله سبحانه وتعالى.......مروان المسيء مروان الحاقد مروان اللذي موقفه من بيت النبي ذلك الموقف.... وإذا بالإمام بهذا الشكل يقابله.... يكفل عائلته ويكرمها.
هكذا كان زين العابدين وسيد الساجدين مع العلم أن الإمام سلام الله عليه في هذه الفترة كانت مآسي الطف تقض مضجعه وتسلبه استقراره وراحته لأن دائما هو يتطلب دواعي الأسى و بواعث الشجى........ودواعي الأسى وبواعث الشجى لا يحتاج أن يتطلبها..... بل كانت في بيته موجودة......يرى أطفال أبناء عقيل يرى أولاد العباس الصغار يرى غيرهم من أولاد بني هاشم التي أغلقت بيوتهم وما ظل بعدهم إلا نساء وأطفال يتامى ونساء أرامل ترى بيوت للهاشميين أغلقت بعد عاشوراء ما ظل بها احد خلت من أهلها والإمام السجاد يرى ضجيج النساء وعويل الأطفال ويرى الأرامل واليتامى ليس فقط في أسر بني أمية كان يواجه المشكلة حتى بعد رجوعه للمدينة والى أن توفي......مآسي الطف باقية نصب عينيه تقض مضجعه وتسلبه استقراره وإلى هذا كان يقول إلى أبي حمزه الثمالي
ما تذكرت فرار عماتي وأخواتي من خيمة إلى خيمة ومن مضرب إلى مضرب إلا وخنقتني العبرة, يقول ليس من الممكن أن أتذكر المأساة إلا واختنق بالعبرة إنا لله وإنا إليه راجعون.




