محاضرة بعنوان علم الغيب

محاضرة للخطيب الحسيني خادم أهل البيت عليهم السلام

الشيخ عبد الرسول البصارة رحمه الله في 3 / محرم /1408 هـ بحسينية الشايب

بعنوان علم الغيب

 

بسم الله الرحمن الرحيم  (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )..البقرة 3

آمنا بالله وصدق الله العلي العظيم ..

تذكر الآية المباركة كما سبق وذكرنا بعض نعوت المتقين، الذين يُعد القرآن هدىً لهم كما أخبر, وأنهم المستفيدين من هدي القرآن والمنتفعين به, والملاحظ أن الآية المباركة هي وما بعدها جمعت ما بين الاعتقاد والعمل, يعنى نعتت أولئك بالإيمان الكامل كما نعتتهم باليقين, ولهذا كان إيمانهم كامل.

إن أول ما تناولته الآية المباركة من وصفهم هو الجانب الاعتقادي, أي تناولت العقيدة أولاً, والعقيدة طبعاً مقدَّمة على العمل لأنها أساس لذلك البناء, والعمل في الواقع بناء يرتكز على أساس من العقيدة, ودعوة النبي صلى الله عليه وآله أول ما استهدفت تركيز العقيدة, وبعد تركيز العقيدة انطلق النبي صلى الله عليه وآله إلى التشريع, فالآية المباركة أول ما تناولته من وصف المتقين: الاعتقاد، قالت:(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ), فما لا يدرك بالحواس يعرف بالغيب , وهؤلاء القرآن يقول عنهم يؤمنون بالغيب, وإيمانهم بالغيب في الواقع شامل, كيف يكون شامل؟ أي يدخل فيه المعارف الآلهية بمعنى الإيمان بالله وبصفاته, هذا غيب لماذا؟؟ لأن هذه قضايا، الحواس ليس لها تسلط عليه, يعني لا يمكن أن تدرك بالحواس.

يدخل في هذا أيضاً ما يتعلق بأمر النبوة, كيف ما يتعلق بأمر النبوة ؟ صحيح أننا نؤمن بالنبوة واعتقادنا بالنبوة العقل يفرضه, لكن ليس كل شيء يتعلق بالنبوة نستطيع أن ندركه, مثلاً من جملة ما يتعلق بالإيمان بالنبوة: الإيمان بمعجزات الأنبياء عليهم السلام, والمعجزات للأنبياء مسألة ضرورية, فالله عز وجل صيانةً لهذا المنصب الهام حتى لا يستطيع الكاذب أن يموّه على الناس أيد الأنبياء بالمعجزات, والمعجزات التي تصدر على أيدي الأنبياء لا نستطيع أن نلتمس لها تفسير علمي اطلاقاً , والعلم إذ نحاول أن نقحمه في كل شيء هذا خطأ, لماذا؟ لأن العلم ليس أكثر وظيفته أن يبين لنا خواص المادة ليس إلا، هذا عطائه, فبواسطة العلم نعرف خواص المادة وخواص الطبيعة ليس إلا, وما زاد على ذلك يعني ما وراء الطبيعة لا يمكن ادراكه بالعلم , ولا يمكن أن نقحم العلم في هذا الموضوع اطلاقاً.

 بالنسبة إلى معجزات الأنبياء , نحن كيف نؤمن بها؟ هل هناك مجال لتدخل العلم حتى يوضح لنا هذه الحقيقة؟ ليس هناك مجال للعلم, العلم لا يستطيع أن يتدخل مثلاً في معرفة استحالة العصا في كف موسى إلى ثعبان, عصا في كف الكليم عليه السلام تتحول إلى ثعبان فاتك, يعني عمل نكاية * ليست بسيطة, هنا كيف نحاول أن نفسر هذا الحدث بتفسير علمي أو نحلله بتحليل علمي؟ لا يمكن ذلك, إذاً هذه القضية تعتبر غيب، لماذا؟ لأنه لا سبيل إلى ادراكها بالحواس، ولا سبيل إلى أن نلتمس لها تفسير علمي, فالقضية تعتبر غيبية, كيف نؤمن بها ؟ إيماننا بها من منطلق الإيمان بالله عزَّ وجلَّ, نؤمن بمعجزات الأنبياء عليهم السلام لأننا نؤمن بالله عزَّ وجلَّ وأنه ذو القدرةِ المطلقة.

من المعجزات التي أيد الله بها سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم, الإخبار بالغيب, فإخبار الرسول بالغيب هل هو ناتج عن تكهّن أو عن تحرّي؟ لا.. لماذا؟ لأن الشيء الذي يكون عن تكهن أو تحري لا يكون صوابا دائماً, لا أقول ليس دائماً يصيب, قد يصيب، فمثلاً يأتي من يحاول ومن خلال نزعته السياسية  أن يدرس المجتمع ويحلله تحليل سياسي ويتكهن بأحداث ستحدث في يومٍ ما, من الممكن هذا المتحري تكهناته وبعض القضايا التي تحراها تحدث، ويخطئ في بعضها، وقد لا يصيب اطلاقا و تحرياته وتخرصاته* كلها لا تنتج ولا تصيب. فما يصدر عن تحريات أو عن تكهنات قد يكون صواب وقد يكون خطأ .

فهل إخبار الرسول صلى الله عليه وآله هكذا؟ لا.., النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي قضية أخبر عنها جاءت كفلق الصبح كما يقال, جاءت وحي, فهذا الغيب الذي تحدث عنه الرسول صلى الله عليه وآله على أي أساس كان؟ طبعا حديث النبي صلى الله عليه وآله على أساس من الوحي, وحي تلقاه من الله عزّ وجل, وعلى ضوء هذا الوحي النبي صلى الله عليه وآله أخبر عن كثير من القضايا وما أخبر عنه تحقق وأصبح واقع.

 البعض من الناس يحاول أن يشنّ غارات ويقوم بحملات شعواء على الطائفة الشيعية حول ما نعتقده في أئمة الهدى سلام الله عليهم (أهل بيت المصطفى صلى الله عليه وآله) والذين نحن نعتقدهم شركاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم, نحن نعتقد أن نهضة الأئمة سلام الله عليهم أو مسيرة الأئمة هي متممة لنهضة النبي صلى الله عليه وآله وسلم, ولذلك متى يُظهر الله محمد صلى الله عليه وآله على الدين كله؟؟ هذا الذي بشّر به القران, (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) الصف 9 , عندما تأتي أيام دولة آل محمد, عندما تأتي دولة الحق, دولة المُرّجى عجل الله فرجه الشريف وجعلنا الله من كلِّ سوءٍ فداه, في ذلك الوقت يُظهر الله نبيه على الدين كله. فنحن نعتقد أن نهضة أئمة الهدى سلام الله عليهم وأن مسيرتهم متممة لنهضة النبي صلى الله عليه وآله ومسيرته, وهؤلاء شركاء له في الخصائص و الميزات, وهذا الكلام الذي نقوله ليس اعتباط, هذا الكلام دليله ظاهرو واضح, دليله القرآن و السنة المقدسة, وأي شيء عندنا، عند الشيعة الإمامية سواء في مجال العقيدة أو في العمل يدعمه الدليل ويسانده البرهان, وليس عندنا قول لا يسانده برهان أبداً, كل ما نقوله سواء في العقيدة أو في العمل كله مدعوم بأدلة وبراهين لا تقبل التأويل, إنما مثلما يقول المرحوم دعبل الخزاعي رحمه الله :  وغطوا على التحقيق بالشبهاتِ, هذه هي المشكلة. فالغرض أن هذا الاعتقاد دليله القرآن ودليله السنَّة المقدَّسة, كيف دليله القرآن؟ نقرأ في سورة الأحزاب  قول الله عزَّ وجلَّ: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) الأحزاب 33, هذا نص قرآني يقرأه كل مسلم في سورة الأحزاب, وعندما نرجع إلى المفسرين إلى أهل القبلة ككل -إلا من شذ- يقولوا أن الآية نزلت في النبي وعلي والزهراء والحسن والحسين سلام الله عليهم أجمعين, فإذا كانت الآية نازلة في هذه المجموعة, ماذا أعطت وأثبتت الآية لهذه المجموعة؟؟ الآية أثبتت لهذه المجموعة البراءة من الرجس, الطهارة من كل دنس, الطهارة من كل رجس, (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ) وهذه إرادة تكوينية وليست إرادة تشريعية بدليل حصر الإرادة, لأن الآية اسُتعملت فيها أقوى أدوات الحصر حسب ما يقول النحاة, وهي: إِنَّمَا ، فحصر إرادة إذهاب الرجس يدلنا على إن الإرادة تكوينية وليست تشريعية, ولأن الإرادة التشريعية لا تخص فئة معينة, فلو فرضناها إرادة تشريعية لا داعي لحصرها في أُناس معينين في خمسة أو أقل أو أكثر , ولأن الإرادة التشريعية عامة (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة 222, والرجس الذي يقول القرآن عنه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) هو عبارة عن كلمة تستعمل وتطلق على كل مخالفة تصدر من العبد, فعندما تقول مثلاً الشيء الفلاني قبيح أو تقول الشيء الفلاني فاحشة أو تقول الشيء الفلاني منكر أو تقول الشيء الفلاني رجس كلها تؤدي إلى معنىً واحد, وعندما تسمع قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) الأعراف 33 , المقصود مطلق المعاصي و المخالفات, وأيضا بالمثل قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) النحل90,  الفحشاء و المنكر معناهما واحد, وهكذا رجس أو فحشاء أو ذنب أو معصية أو منكر أو قبيح كلها ألفاظ مشتركة تؤدي إلى معنى واحد, معناها أي مخالفة تُصدر من المكلف, فعندما القرآن يقول: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ), كلّ مكلَّف مطلوب منه أن يبتعد عن الرجس, كل مكلَّف مراد منه أن يجانب الرجس, فإذا كان كلَّ مكلف مراد منه هذا المعنى, لماذا حصر الإرادة في خمسة حسب ما ينصّه المفسرون؟؟ فحصر الآية في هؤلاء الخمسة يفيدنا على أن الإرادة تكوينية, فإذا عرفنا أن الإرادة تكوينية والله أراد اذهاب الرجس عن هؤلاء فما الذي ثبت؟ ثبت اشتراك الإمام علي والزهراء والحسن والحسين سلام الله عليهم مع النبي صلى الله عليه وآله, بمعنى  شاركوه في العصمة و في التسديد الإلهي , يعني اشتركوا معه في هذه الخصوصية.

إذا رجعنا إلى السنة المقدَّسة نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وآله يقول عن الإمام علي عليه السلام: (عليٌّ مني بمنزلة الرأس من الجسد),(علي مني بمنزلة الضوء من الضوء), (علي مني بمنزلة الذراع من العضد), ولما سُئِل عن أصحابه وتحدّث, قالوا له وعلي بن أبي طالب قال: (سألتموني عن سائر الناس فأجبتكم أما عليٌ فهو نفسي) وهذه رواية سنية وليست شيعية, وعندما يتحدّث عن الزهراء كيف يتحدّث عنها؟ , يتحدّث عنها ويقول أمّ أبيها, و يتحدث عن الحسن يقول (حسن مني وأنا منه )1, ويتحدث عن الحسين يقول (حسين مني وأنا من حسين ), فهذه كلها تفيدنا بأن الخصائص مشتركة وأن النوعية واحدة , ومَنْ هنا ليس المقصود أنه متولد مني, أنما مَنْ هنا لبيان الجنس بمعنى يريد أن يقول هؤلاء من نوعي, يريد أن يقول أنا وإياهم حقيقة واحدة لا يوجد نموذج مختلف أو نوعية مختلفة.

 بعد أن عرفنا أن نصوص القرآن  ونصوص السنة المقدّسة تفيد كون الخصائص مشتركة ما بين النبي و أطائب عترته صلى الله عليهم أجمعين,  مع ذلك نلاقي البعض يشن حملات شعواء , والمشكلة التي بلينا بها مشكلة من يتحدث أو يكتب ولا يراعي خدمة الحقيقة, لو كان الشخص حين يكتب يتصور أن القلم في يده أمانة وأنه سوف يكتب إلى أجيال وأنه إذا لم يكن موضوعي في كتابته وإذا لم يراعي الحقيقة وإذا لم يتثَّبت فإن هذه الكتابة ستؤدي إلى مفاسد, وتؤدي إلى فتن ومشاكل, كذلك من يتحدّث فهذا حينما يصعد على المنبر ويطرق موضوع معين من اللازم أن يتصور ويعتقد أن هذه المجموعة أمانة في عنقه, لأن هؤلاء ليس جميعهم يقرءون, أو مطلعون على الكتب, الأكثر قد يأخذ هذا القول منه ويرسله إرسال المسلمات، فلان تحدث هكذا، وسيعتبر حديثه حقيقة, يعتبره عقيدة, فهذا حين يتحدّث أو يكتب من اللازم أن يفكر في أن الله مطلع عليه, وأن هذه الأجيال التي ستصلهم كتابته أو يصلهم حديثه هم أمانة في عنقه, ولو أن كل شخص يُقدِّر هذا الشعور ويراعي هذا المعنى صرنا في راحة, لكن للأسف ترى من يكتب يكتب نتيجة لما تمليه الأهواء ونتيجة لما تمليه العصبيات, أيننا عن قول الله عز وجل: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الإسراء36,

يا أخي ماذا يضايقك من أئمة أهل البيت هؤلاء عترة محمد, هؤلاء أئمة الهدى, هؤلاء من يقول الرسول صلى الله عليه وآله عنهم: ( من أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل جنة عدن التي وعدني ربي, فليتول علي وأبنائه من بعدي)2, ماذا يضايقك عندما يقال عنهم معصومون أو أنهم يخبرون بالغيب ؟؟!! ، وما هو المانع من هذا؟ ما المانع حين تسمع أنهم معصومون، القرآن يقول أنهم معصومون, القرآن يقول:  (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا), إذن القرآن يشهد لهم بهذه الشهادة، أنت لماذا تسأم من هذا الكلام؟؟!, افرض الشيعة قالوا أن أئمة أهل البيت يخبرون بالغيب, ماذا حصل؟ هل القضية ممتنعة ؟ انطبقت السماء على الأرض؟ ابداً، القضية الدليل يساندها والبرهان يساندها, أولاً: أن الشيعة لا يقولون أئمتهم يعلمون الغيب علم ذاتي, نحن نقول أن العلم الذاتي لله سبحانه وتعالى, لا يوجد أحد يعلم بذاته, سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وهو أفضل الكل في الكل، الله يخاطبه: (سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ) الأعلى6-7, هذا صريح القرآن.  والله يخاطبه: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) يوسف 3, فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله هكذا فغير النبي أولى بذلك, ليس هناك أحد علمه ذاتي، كلُّ علمه بالتعليم.

إنما هناك فرق, شخص يحتاج إلى مثله يتعلم منه, وآخرين علمهم يأتيهم من الله، يعني بمددٍ خاص يتلقوا علومهم ومعارفهم, هذا ما نعتقده في النبي وأئمة الهدى سلام الله عليهم، نقول أن هؤلاء علمهم من الله, علمهم إلهام وليس اكتساب هذا كلُّ ما نقوله, وعلى هذا الأساس أئمة أهل البيت يخبرون بالغيب ولا نقول يعلمون علم ذاتي, وإخبارهم بالغيب علمٌ مستفاد من ذي علم, قد البعض يثير إشكال ما معنى قول الله عزَّ وجلّ: (‏إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ‏ ) ‏لقمان 34, فهذا القرآن ينفي إذ يقول (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) ونحن نقول له صحيح ،هذا نص واضح وصريح لا يستطيع أحد أن ينكره, لكن الشيء المنفي في الآية إنما هو العلم الذاتي, و الإنسان بذاته لا يعرف ماذا سيواجه في الغد, لا يعرف متى سيموت, لا يعرف ماذا يحصّل, لكن إذا عُلِّم يعلم, إذا أراد الله أن يُطلع فئة معينة على مكنون سره ويجعلهم مستودع لسره وعيبةً لعلمه ما هو المانع من هذا؟ وهذا صريح القرآن (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ) الجن 26-27, يعني من ارتضاه من الرسل ممكن يطلعه على الغيب, ولا يوجد أحد يماثل سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله, وكل علمٍ عَلِمَهُ النبي عَلِمَهُ أئمة الهدى لأنهم شركائه في الخصائص والميزات صلى الله عليهم أجمعين, فأنت ماذا تحاول أن تنكر؟ تنكر أمور بديهية؟ هذه قضايا بديهية أصبحت تنكرها؟ هذا تكلَّف.

هذا نهج البلاغة بين أيدينا تفضل إقرأ و اطَّلع عليه, وانظر حديث الإمام علي سلام الله عليه عن الغيب انظر إخباره بالملاحم, الله يُنظّر مثواه الشريف الرضي - رحمه الله - لمَّا ذكر الكلمات التي قالها الإمام علي عليه السلام في وصف الحجاج، في الإخبار عن الحجاج الثقفي والتي بداية الكلمات:  (ولَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ ... إلى أن يقول  ...أَمَا واللَّهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلامُ ثَقِيفٍ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ ويُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ ثم قال إِيهٍ أَبَا وَذَحَةَ.) يُعلق الشريف الرضي - رحمه الله3 - بعد نقله لهذه الكلمات, يقول: أن الوذحة عبارة عن الخنفساء وقد قصد أبا الحسن بذلك الحجاج الثقفي يقول لماذا قال عنه (إِيهٍ أَبَا وَذَحَةَ) لأن الحجاج كانت سبب نهايته خنفساء, كيف ؟ يوم من الأيام كان جالس بالمحراب يريد أن يصلي رأى خنفساء مدّ اصبعه حاول أن يبعدها فلسعته هذه الخنفساء, لدغته, وعندما لدغته ورم وعلى هذا الأساس حلّت نهايته, بعد أن جعله الله عبرة لمن يعتبر, نعم الله متصرًّف في شؤون خلقه، يسلط على أكبرِ خلقه أصغر خلقه، الشاهد الإمام علي سلام الله عليه ما فات عن الحجاج حتى هذا الأمر البسيط وإذا هو يخبر عنه.

الإمام علي عليه السلام أخبر عن نقل الحجر الأسود إلى مسجد الكوفة ويذكر الشيخ المجلسي أعلى الله مقامه في بحار الأنوار يقول: عندما الإمام علي عليه السلام أخبر عن نقل الحجر، قال: على هذا المكان يُوضع, يعني أشار على الجهة من المسجد التي يوضع عليها, ولما نُقِل الحجر بأيام القرامطة إلى مسجد الكوفة وإذا به يوضع في نفس الجهة التي أشار لها الإمام علي سلام الله عليه, وكم وكم من إخبارهم بالغيب, الإمام علي عليه السلام على منبر العراق يصيح: (لن تنقضي الليالي والأيام حتى يسمع ويرى من في المشرق من في المغرب ويتعامل الناس بالغيبة) ، شاهد أن مثل هذه القضايا تستطيع أن تقول أنها بديهية والذي يحاول أن ينكرها كأنما ينكر بديهيات لا سبيل إلى إنكارها, أنظر إلى الإمام الحسين عليه السلام وهو يخبر عن نهايته المرتقبة, يخبر عن مصرعه, , اسمعه وهو في مكة يخطب الناس يقول: (كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن منّي أكرُشاً جوفاً وأجربة سغّباً، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت)4 متى صدرت هذه الخطبة؟ متى ألقى الحسين عليه السلام هذه الخطبة؟ عندما عزم على الشخوص من أرض مكة.ومتى عزم على الشخوص من أرض مكة؟ لما عرف أن يزيد بن معاوية أرسل أُناس فتاكين يريدون قتله وإن كان متعلقا بأستار الكعبة هكذا أرادوا ، يزيد يقول لعمر بن سعيد المعروف بالأشدق: اقتلوا الحسين سرا، فإن لم تتمكنوا من قتله سرا فقتلوه جهرا. قال له تعرف مكة هذه بلد آمن فيها حرم الله قد نلقاه يصلي في المقام أو قاعد في الحجر أو يستلم الحجر قال اقتلوا حسينا حيثما وجدتموه وإن كان متعلقا بأستار الكعبة فإنه لا حرمة له في الاسلام.

لا حول ولا قوة إلا بالله هذا الحسين سبط رسول الله وسيد شباب أهل الجنة ليس له حرمة في الإسلام[i]



[i] * نكاية :هزيمة ، * تخرصات : افتراءات واكاذيب

 

 

1 ميزان الحكمة  لمحمدي ريشهري ج1 ص156

2 مناقب أمير المؤمنين ع  لمحمد بن سليمان الكوفي ج1 ص427 "... فليتولّ عليّاً وذرّيته من بعده..."

3 شرح نهج البلاغة ج7 لابن أبي الحديد

4 لواعج الأشجان  السيد محسن الأمين ص70  ، اللهوف في قتلى الطفوف السيد ابن طاووس الحسني ص38

 

 

اضف هذا الموضوع الى: